Explore 1.5M+ audiobooks & ebooks free for days

From $11.99/month after trial. Cancel anytime.

المنطق نظرية البحث 2: الجزء الثاني
المنطق نظرية البحث 2: الجزء الثاني
المنطق نظرية البحث 2: الجزء الثاني
Ebook846 pages6 hours

المنطق نظرية البحث 2: الجزء الثاني

By جون ديوي, رأفت علام (Editor) and فريق الترجمة بمكتبة المشرق الإلكترونية

Rating: 0 out of 5 stars

()

Read preview

About this ebook

في الجزء الثاني من كتابه الرائد "المنطق: نظرية البحث"، يستعرض جون ديوي العلاقة الوثيقة بين العلم والمنطق، موضحًا كيف تتغير النظريات المنطقية بتغير الأسس التي يرتكز عليها العلم في كل عصر. يقدم ديوي تحليلاً عميقًا لكيفية تأثير الفلسفات المختلفة على تطوير المنطق، مستندًا إلى فلسفة أرسطو كمرجع، ويناقش كيف أن المنطق الأرسطي كان تعبيرًا دقيقًا عن الفكر العلمي اليوناني. ويشير إلى أن العصر الحديث يتطلب منطقًا جديدًا يتماشى مع الأسس العلمية المعاصرة، وهو ما توفره البرجماتية، التي تعتبر أن القضايا المنطقية ليست صادقة أو كاذبة، بل تعبر عن وسائل لتحقيق أهداف معينة. يستفز الكتاب القارئ للتفكير في المعاني العملية للمنطق وكيف يمكن أن يساعد في تحقيق المعرفة بدلاً من كونه مجرد مجموعة من القواعد النظرية. من خلال هذا العمل، يقدم ديوي رؤية جديدة لمنطق يتجاوز الأطر التقليدية، مما يجعله كتابًا ضروريًا لكل من يهتم بفهم الفلسفة العلمية وتطبيقاتها العملية.
Languageالعربية
PublisherAl-Mashreq eBookstore
Release dateOct 22, 2024
ISBN9789702139171
المنطق نظرية البحث 2: الجزء الثاني

Read more from جون ديوي

Related to المنطق نظرية البحث 2

Related ebooks

Reviews for المنطق نظرية البحث 2

Rating: 0 out of 5 stars
0 ratings

0 ratings0 reviews

What did you think?

Tap to rate

Review must be at least 10 words

    Book preview

    المنطق نظرية البحث 2 - جون ديوي

    مقدِّمة

    هذا الكتاب تنمية لأفكار في طبيعة النظرية المنطقية، قدمتها لأول مرة منذ أربعين عامًا أو نحوها في كتاب «دراسات في النظرية المنطقية» Studies in Logical Theory وهي أفكار تناولتها بشيء من التوسيع في كتاب «مقالات في منطق التجارب» Essays in Experimental Logic، ثم لخصتها في إيجاز — مع اهتمام خاص بموضوع التربية — في كتاب «كيف نفكر» How We Think. وإنه على الرغم من أن الأفكار الأساسية ظلت بغير تغيير، فقد طرأ عليها بطبيعة الحال تعديل ملحوظ خلال الأعوام التي انقضت منذ أول عرضها إلى اليوم؛ فلئن كان موقفي إزاء المسائل المختلف عليها لم يتغير، إلا أن ما قد رأيته من توحيد بين الفكر النظري من جهة والبحث الموضوعي من جهة أخرى ربما يعرض الأمر — فيما أظن — على نحو يجعله أقل تعرضًا لسوء الفهم مما كانت عليه أفكاري في صورتها الأولى؛ فهذا الكتاب إنما يتميز بصفة خاصة بتطبيقه لأفكاري السابقة تطبيقًا يفسر صور التفكير والعلاقات الصورية التي هي قوام مادة المنطق كما نألفها في صورتها التقليدية؛ وإنه لتفسير يتضمن في الوقت نفسه تنمية مفصلة — فيها نقد وفيها بناء — لوجهة النظر العامة وما تنطوي عليه من أفكار.

    وأرى أن أنبه — في هذا الصدد — تنبيهًا خاصًّا إلى مبدأ الاتصال بين أطراف البحث، وهو مبدأ لم يَلحظ خطره من قبل — فيما أعلم — إلا بيرس Peirce وتطبيق هذا المبدأ يهيِّئ وسيلة لعرض الصور المنطقية عرضًا تجريبيًّا، وهي ضرورة أغفلتها أو أنكرتها المدرسة التجريبية التقليدية، مع أنها في الوقت نفسه تُبرهن على أن تفسير تلك الصور المنطقية تفسيرًا قبليًّا أمر لا تدعو إليه ضرورة، وأحسب أنني قد وفيت الحديث عن العلاقة بين هذا المبدأ وبين التعميم بصورتيه — وهما الصورتان اللتان لم أفتأ أميز بينهما خلال هذا الكتاب — كما وفيت الحديث عن العلاقة بينه وبين معامل الاحتمال في شتى التعميمات التي تُشير إلى الموجودات الفعلية. أقول إني وفيت الحديث في هذا وفي ذلك في الفصول التي خصصتها لهذه الموضوعات؛ وإن فكرتنا الرئيسية التي ننظر بها إلى البحث على أنه تحديد لموقف ينقصه التحديد، لَتُمكِّننا من أمرين: فهي تمكننا أولًا من إيجاد حل موضوعي للمسألة الشائكة التي تبحث في العلاقة بين الحكم والقضايا، كما تمكننا ثانيًا من تناول موضوع شديد الصلة بموضوع الحكم والقضايا، وأعني به العلاقة بين إدراكاتنا في مجال المشاهدة من ناحية وفي مجال التصور العقلي من ناحية أخرى؛ إذ تمكننا من عرض صور القضايا عرضًا متسق الأجزاء.

    إن كلمة «البراجماتية» لم تَرد فيما أظن في هذا الكتاب؛ إذ ربما تكون هذه الكلمة مدارًا لسوء الفهم؛ فأقل ما يُقال هو أنه قد تَجمَّع حول هذه الكلمة من سوء الفهم ومن المجالات العقيمة نسبيًّا ما جعلني أُوثر أن أجتنب استعمالها؛ غير أن هذا الكتاب براجماتي من أوله إلى آخره إذا نظرنا إلى «البراجماتية» نظرة تؤوِّلها تأويلًا سليمًا، وأعني به أن تُستخدم النتائج على أنها اختبارات لا بد منها للدلالة على صدق القضايا، على شرط أن نتناول هذه النتائج من حيث هي عمليات يمكن إجراؤها، ومن حيث هي وسائل تؤدي إلى حل المشكلة الخاصة التي قد استدعت تلك الإجراءات.

    أما والمنطق على ما هو عليه اليوم فلست أشك في أن خلوَّ هذا الكتاب من أي محاولة نحو الصياغة الرمزية سيثير في عقول قرَّاء كثيرين اعتراضًا خطيرًا؛ غير أن خلوَّه من هذه الصياغة الرمزية لم يَصدر عن كراهية مني لمثل هذه الصياغة؛ بل الأمر على خلاف ذلك؛ إذ إنني على اعتقاد بأن قبول المبادئ العامة التي بسطتها سيمكن من قيام بناء رمزي له من الكمال، وفيه من الاتساق ما ليس يتوافر في البناءات الرمزية القائمة بيننا اليوم. إن إغفالي للرمز مرجعه أولًا إلى نقطة ذكرتها في موضع ما من الكتاب وهي الحاجة إلى تهذيب نظرية عامة في اللغة لا تفصل بين الصورة والمادة؛ وثانيًا إلى أن قيام مجموعة وافية من الرموز يتوقف على ما يسبق ذلك من إقامة أفكار سليمة عن المدرَكات العقلية والعلاقات التي نرمز إليها بتلك الرموز؛ فبغير تحقيق هذا الشرط لن تؤدي عملية الرمز الصورية إلا إلى الاستمرار في الأخطاء القائمة (كما يحدث الآن غالبًا)، بل إنها لَتؤدي إلى تقوية تلك الأخطاء لما نخلعه عليها مما قد يُكسبها في الظاهر صورة العلم الصحيح.

    وقد يجد القراء — الذين هم ليسوا على علم خاصٍّ بالبحوث المنطقية المعاصرة — بعض أجزاء هذا الكتاب أمعن في الاصطلاح العلمي مما يحتملونه، وبخاصة في الجزء الثالث. ونصيحتي لهؤلاء القراء هي أن يفسروا ما يقرءُونه بأن يعيدوا إلى أذهانهم ما يعملونه هم أنفسهم والطريقة التي يصطنعونها في أداء ما يعملونه إذا ما واجهتهم مشكلة أو صعوبة يحاولون تذليلها على نحو عقلي؛ فلو اتبعوا هذا المنهج فأظن أن المبادئ العامة ستصبح عندئذٍ قريبة إلى أذهانهم قربًا يُزيل إشكالهم إزاء التفصيلات الاصطلاحية بزوال ما يسوغه؛ وربما أفادت هذه النصيحة بعينها أولئك الذين أَلِفوا الكتابات المنطقية الجارية إلفًا يَحول بينهم وبين فهمهم لموقف جديد يختلف في مواضع كثيرة مع معظم الآراء السائدة.

    أما عن المؤلفات المنطقية ومؤلفيها، فأملي أن يدل كتابي هذا بنفسه دلالة كافية على الاتجاهات الرئيسية التي أنا مدين بها لها ولهم؛ ومع ذلك فلا بد لي أن أقرر صراحة أنني — إذا استثنيت بيرس، وهو استثناء لا يُخطئه النظر — قد تعلمت أكثر ما تعلمت من أولئك الكتاب الذين اضطررت آخر الأمر أن أختلف وإياهم في وجهة النظر؛ ولما كانت المصادفة قد شاءت ألا يَرِد خلال كتابي هذا ذكر لمؤلفات أ. ف. برادلي A. F. Bradley فأود ها هنا أن أسجل كم أنا مدين له: وكذلك لجورج ﻫ. ميد George H. Mead من الفضل، ما هو أعظم بكثير مما يدل عليه سياق الكتاب.

    وعلى الرغم من أنني مثل آخر من أمثلة الجحود المعهود في المؤلفين عندما يذكرون أسماء من هم مدينون لهم — وإن مثلي في ذلك لصارخ — لكن يسرني أن أذكر بعض هذه الأسماء: فلطلابي الذين تتابعوا مدى فترة من الزمن نيفت على جيل كنت خلاله أُحاضر في موضوعات هذا الكتاب، أقول إن لطلابي هؤلاء من الفضل عليَّ ما لست أستطيع ذكره إلا على هذا النحو المجمل. ولقد طالع الدكتور سدني هوك Sidney Hook مختلف الصور التي صُغت فيها كل فصول هذا الكتاب، فأفادتني مقترحاته ونقده لما قد ورد في هذه الفصول فائدة جُلَّى؛ وكذلك طالع دكتور جوزف راتنر Joseph Ratner فصولًا كثيرة، فأنا مدين له أيضًا بمقترحاته وتصحيحاته؛ وأما في طائفة من الفصول التي تتسم أكثر من سواها بالاصطلاح الفني، فقد ألقيت بزمامي إلقاءً تامًّا للدكتور إرنست نيجل Ernest Nagel بما له من دراية وكفاية تفوقان درايتي وكفايتي؛ فإذا بقيت أخطاء في الفصول المذكورة كان يمكن اجتنابها، فالخطأ خطئي أنا ولا ذنب له فيه.

    وختامًا أود أن أقرر بأن هذه الرسالة الآتية إن هي إلا تمهيد، فهي عرض لوجهة من النظر ولمنهج في تناول المشكلات. وعلى الرغم من أن عرضي لهما قد لبث يزداد نضجًا مدى فترة تزيد على أربعين عامًا، غير أنني على وعيٍ تام بأن عرضي هذا لا يتسم — ولم يكن في الإمكان أن يتسم — بالصقل وإحكام التمام اللذَيْن هما في مقدور الإنسان من الوجهة النظرية؛ ولكني كذلك مقتنع بأن وجهة النظر المعروضة قد بلغت من السداد الكامل حدًّا يُمَكِّن أولئك الذين يرحبون باعتناقها من تهذيب نظرية في المنطق — في الأعوام التالية — تجيء على أتم اتفاق مع أكثر المناهج المؤدية إلى المعرفة تأييدًا من رجال البحث. وإني لأقدم أطيب الأماني والآمال لأولئك الذين قد شغلوا أنفسهم بالعمل البالغ الخطر، وأعني به التوفيق بين النظرية المنطقية من جهة والعمل العلمي من جهة أخرى، مهما يكن هنالك من بُعد الشُّقة في الأمور التفصيلية بين نتائجهم والنتائج التي أعرضها في هذا الكتاب.

    ج. د

    هبردز. نوفاسكوشيا

    ٢٤ من أغسطس سنة ١٩٣٨م

    الباب الثالث

    القضايا والحدود

    الفصل الخامس عشر

    النظرية العامة في القضايا

    لقد حللنا الحكم تحليلًا يبين أنه عملية متصلة لتحويل موقف غير متعين وغير مستقر، إلى موقف متعين تعينًا يوحده، وذلك عن طريق إجراءات نجريها لنبدِّل بها مادة الموضوع التي كانت ماثلة لنا أول الأمر؛ وإذا قابلنا بين الحكم وبين القضايا التي قد تكون مفردة أو جمعًا أو جامعة أو كلية،١ وجدنا الحكم فرديًّا، لأنه ينصب على مواقف كيفية فريدة؛ وبناء على هذه الوجهة من النظر، تكون عمليتا المقارنة والمباينة هما الإجراء الرئيسي الذي نصطنعه لننزل تعديلًا في المواقف التي نجد أنفسنا إزاءها بادئ ذي بدء؛ وما «المقارنة» إلا اسم نطلقه على كافة العمليات التي نراكم بها مادة موضوعنا بعضها فوق بعض مراكمة تتصل على مر السير في البحث؛ ولقد أشرنا من قبل إلى أن عمليتي المقارنة والمباينة متضمنتان في عمليتَي الإثبات والنفي؛ وفي قياس الكم، سواء أكان هذا القياس كيفيًّا أم عدديًّا؛ وفي حديثنا عن الحوادث بوصفنا لها أو روايتنا عنها؛ وفي القضايا العامة بصورتيها: الجامعة والكلية؛ أضف إلى ذلك أن المقارنة والمباينة يتألفان من إجراءات مركبة نجريها لننشئ بها اقترانات تجمع بين طوائف معينة من سمات الوجود الخارجي، وحذوفًا (نحذف بها من الصفات ما لا يدخل في نوع معين)، بحيث ترتبط تلك الاقترانات بهذه الحذوف بعلاقة متبادلة بينهما؛ وأعني بهذا أن عمليتَي المقارنة والمباينة بين الأشياء ليستا من الأمور «العقلية».

    ولقد كانت القضايا — من الوجهة المنطقية — متميزة من الحكم، إلا أنها الأدوات المنطقية الضرورية التي نتوسل بها لبلوغ قرار ختامي جائز القبول، أي لنصل إلى حكم؛ فلا سبيل إلى تسويف الفعل المباشر إلى أن نجري بحثًا في الظروف الخارجية وخطط السير إزاءها، إلا باستخدامنا لعملية الرمز (وهي الفصل الذي يميز القضايا تمييزًا يجعلها نوعًا قائمًا بذاته)؛ حتى إذا ما حان الحين آخر الأمر، لقيامنا بالفعل بصورة سلوكية مكشوفة، جاء عندئذٍ فعلًا بصيرًا لا فعلًا أعمى (كما كان ليكون لو أديناه بغير بحث)؛ وبناءً على ذلك فالقضايا — من حيث هي قضايا — أدوات وسلية مؤقتة تقع في مراحل الطريق الوسطى (بين قيام المشكلة أولًا وحلها أخيرًا)؛ ولما كانت موضوعات القضايا تتناول نوعين من الوسائل: وسائل مادية ووسائل منهجية، كانت تلك الموضوعات مندرجة في مقولتين رئيسيتين: (١) مقولة وجودية تشير مباشرة إلى الظروف الفعلية كما قد حددتها المشاهدة المبنية على تجارب، و(٢) مقولة عقلية أو فكرية، تتألف من معانٍ يتصل بعضها ببعض، وهي معانٍ لا تكون وجودية المضمون بإشارة مباشرة إلى العالم الخارجي، لكنها تكون مما يمكن أن يصْدق على الوجود الخارجي إذا نحن أجرينا الإجراءات التي تعرضها علينا تلك المعاني عرضًا على سبيل الإمكانات؛ وحين يزودنا هذان الضربان من القضايا بالوسائل المادية والوسائل الإجرائية على التوالي، فإنهما يكونان مكملين أحدهما للآخر، أي إنهما يكونان متقابلين في الأداء؛ فهما بمثابة تقسيم العمل في عملية البحث إلى قسميه الرئيسيين.

    وهنالك حركة معاصرة في النظرية المنطقية — تعرف باسم الوضعية المنطقية — تجتنب استعمال كلمتَيْ «قضايا» و«حدود» لتستبدل بهما كلمتَيْ «جمل» و«كلمات»؛ وإننا لنرحب بهذا التغيير إلى الحد الذي يجعله تغييرًا يركز الانتباه فيما للقضايا من بناء ومضمون رمزيين؛ لأن تبين هذه الحقيقة يحرر النظرية المنطقية من تبعيتها للاعتمادات التي قد نسبق إلى اعتناقها عن الحقيقة الكونية وعن الميتافيزيقا؛ ويسمح للنظرية المنطقية أن تمضي في طريقها مستقلة بكيانها، على أساس مضمونات القضايا ومهماتها التي تؤديها كما تعرض لنا فعلًا لنحللها؛ وإن هذا التغيير إذ يبرز العنصر الرمزي في القضايا، يصلها باللغة صلة تردها إلى منبع واحد؛ هذا إلى أن اللغة ستُعَدُّ عندئذٍ مختلفة الكيان عن الأشياء التي تُقال تلك اللغة عنها، على الرغم من أنها تُقال عن تلك الأشياء إما بطريق مباشر أو طريق غير مباشر؛ أضف إلى ذلك أن صياغة موضوع المنطق في لغة الرموز، من شأنها أن تحرر النظرية المنطقية من اعتمادها على العالم الذاتي الذي قوامه «إحساسات» و«أفكار» حين يوضع هذا العالم ليقابل عالمًا آخر قوامه الأشياء، وذلك لأن الرموز واللغة أحداث موضوعية ترد على الخبرة الإنسانية.

    وثمة اعتراض ثانوي على استعمال كلمتَيْ «جمل» و«كلمات» لتدلا على ما قد كان يُسمَّى بقضايا وحدود، وهو أنه ما لم نكن على حذر في فهمنا لتينك الكلمتين، أدى استعمالهما إلى تضييق نطاق الرموز واللغة بغير داعٍ؛ لأننا عندئذٍ سنحذف تعبيرات الوجه وسنحذف الرسوم (كالخرائط والرسوم التخطيطية … إلخ) إذ لم يجرِ العرف على أن نعامل هذه الأشياء معاملتنا للجمل أو الكلمات؛ ومع ذلك فهذه صعوبة يمكن أن نجتنب الوقوع فيها؛ أما الاعتراض الأهم فهو أننا إذا لم نحسن صياغة المصطلحين الجديدين، ألفيناهما لا يميزان بين اللغة التي اصطنعناها لأغراض التبادل الفكري (وهي ما أسماها «لُكْ» باللغة «المدنية») وبين اللغة التي لم تتقرر إلا خلال بحوث سابقة متصلة بأغراض البحث الذي نكون بصدده، واللغة بمعناها الثاني وحده هي ذات المضمون المنطقي؛ فهذه المشكلة الخطيرة لا يمكن التغلب عليها بالنظر إلى الجمل والكلمات وهي قائمة وحدها، لأن التفرقة تعتمد على نية المتكلم التي لا يمكن استخلاصها إلا من السياق كله.

    ولا مناص من حدوث المغالطات في النظرية المنطقية، طالما كانت أمامنا حالة معينة لم نجد إزاءها إن كانت نية المتكلم أن ينقل فكرة معلومة من قبل، أو أن يستعمل ما قد ظن أنه معلوم، وسيلةً للبحث في أمر لبث حتى ساعة الكلام غير معلوم ومثار إشكال؛ فمثلًا خذ مسألة الموضوع والمحمول: فالموضوع في النحو هو مادة يُفرض فيها أنها معلومة، ومتفق عليها، و«مفهومة» — عند نقل الحديث — لمن ينقل فكرته ولمن تُنقل إليه؛ وأما المحمول في النحو فهو ذلك الذي يُفرض فيه أنه جزء مما لدى الشخص الذي ينبئ سواه بنبأ أو ينصحه بنصح، من معرفة وفكر، لكن لا يكون جزءًا من معرفة المستقبل وفكره؛ فافرض أن الجملة هي «الكلب قد ضاع» فمعنى «الكلب» معرفة مشتركة، أو مفروض فيها أنها مشتركة بين المتكلم والسامع؛ أما أنه «قد ضاع» فمفروض أن يكون ذلك معلومًا للمتكلم، لكنه لم يسبق للسامع علمٌ به، ولو أنه متصل بخبرته واعتقاداته.

    فإذا كنا نستمد نظريتنا المنطقية الخاصة بالموضوع والمحمول من البناء النحوي، كان الأرجح، لا بل كان مما يوشك على اليقين، أن ينتهي إلى النتيجة الآتية، وهي أن مادة موضوع القضية في المنطق، هي أمر مسلَّم به من قبل تسليمًا كاملًا، بغض النظر عن عملية البحث، وعن الحاجة إلى عملية بحث، ولا نعود بحاجة — من الناحية المنطقية — إلا إلى الصفات التي نحملها على ذلك الموضوع، فهذه وحدها هي التي تكون بحاجة إلى نظر؛ لا بل إننا لا نسرف في الظن إذا ظننا أن الانتقال المباشر من البناء النحوي للجملة إلى بنائها المنطقي، هو أمر شديد الصلة بالطريقة التي صاغ بها أرسطو العلاقة المنطقية الكائنة بين الموضوع ومحمولاته؛ فقد أدت تلك الصياغة — من جهة — إلى النظرية القائلة بأن موضوع القضية لا بد أن يكون — في آخر التحليل — عنصرًا وجوديًّا قائمًا في الخارج،٢ كما أدت — من جهة أخرى — إلى النظرية الكلاسية الخاصة بالمحمولات؛ وكذلك قد لا نسرف في الظن إذا ظننا بأن المذهب — الذي تناولناه بالنقد — وأعني به المذهب القائل بأن مادة موضوع القضية هي ما ندركه إدراكًا مباشرًا، هو إرث ورثناه عن ترجمة الصورة النحوية إلى صورة منطقية، ترجمةً ساعد على حدوثها اتجاهٌ في علم النفس ينقصه التحليل النقدي، وهو الاتجاه الذي يجعل الصفات المحسة مادةً تقدم إلى الحواس مباشرة.

    وعلى خطورة هذه الاعتراضات التي ذكرناها، فهنالك اعتراض آخر أخطر منها، وهو أن الوضعية المنطقية — كما تُصاغ عادة — واقعة تحت تأثير الصورية المنطقية المستمدة من تحليل الرياضيات، إلى الحد الذي يجعلها تفرق تفرقات حادة مسرفة في حدتها بين المادة والصورة، وتطلق على هذين الجانبين اسمَيْ «معاني الكلمات» و«علاقات البناء اللفظي»؛ نعم إنه لا جدال في أن النظرية المنطقية لا بد أن تميز بين الصورة والمادة، لكن ضرورة هذا التمييز لا تدل بذاتها إن كان هذان الجانبان المتميزان مستقلين أحدهما عن الآخر أو غير مستقلين، أي إن التمييز في ذاته لا يدل إن كانت الصورة والمادة — مثلًا — متعلقين أحدهما بالآخر تعلقًا نابعًا من صميم طبيعتهما الداخلية، عندما يتمثلان معًا في موضوع القضية المنطقية، وأنهما إن تميزا فلا يتميزان إلا في التحليل النظري وحده، أقول إن التمييز بين هذين الجانبين لا يدل بذاته إن كانت هذه هي حقيقة أمرهما أو لم تكن؛ فبينما طبيعة الجمل أو اللغة تغرينا بإقامة التفرقة بين معاني الكلمات التي هي قوام مادتها وبين الطرق التي نرتب بها تلك الكلمات في بنائنا للجمل؛ فما هذه التفرقة إلا أسلوب جديد نخرج به المشكلة الأساسية القديمة، مشكلة قيام أو امتناع العلاقة بين المادة والصورة، أو بين المعاني والبناء الفظي؛ فإذا جئنا نزعم — زعمًا مضمرًا أو صريحًا — بأن التمييز بين الجانبين ينهض برهانًا على استقلال كل من المادة والصورة عن الآخر، جاعلين اختصاص المنطق مقصورًا على الصورة وحدها، لم نكن بهذا الزعم إلا بمثابة من يسلم بالنقطة الأساسية التي هي نفسها موضع النزاع.

    وعلى الرغم من رفض (الوضعية المنطقية) رفضًا اسميًّا المبادئ والمزاعم «الميتافيزيقية» كافة، إلا أن الفكرة القائلة بوجود فاصل حاد — إن لم يكن فصلًا تامًّا — بين الصورة والمادة، هي فكرة ترتكز آخر الأمر على تقليد خاص، هو تقليد ميتافيزيقي صِرف؛ فما للرياضيات من طابع صوري، مسلَّم بصورته، لا يقوم برهانًا على انفصال الصورة عن المادة، وكل ما يفعله هو أنه يضع تلك المشكلة وضعًا يجعلها مشكلة أساسية؛ وإنا لنضيف إلى اعتراضاتنا السابقة (على الوضعية المنطقية) اعتراضًا آخر هو أمس منها جميعًا بصميم الموضوع، وهو أن توحيدنا بين الصورة المنطقية والصورة البنائية في الجمل اللغوية، مضطر أن يفرض — كأنه حقيقةٌ معطاةٌ — وجودَ الفوارق التي تميز بين الأسماء والأفعال والصفات وحروف الجر وأدوات الوصل … إلخ؛ لكن أحدًا لم يحاول قط — ولست أرى كيف يمكن لمثل هذه المحاولة أن تتم بنجاح — أن يبين أي الكلمات يكون له القوة المميزة على أساس التصنيفات المذكورة (أعني أن يبين ما الذي يجعل الأسماء أسماءً والأفعال أفعالًا وهكذا) دون أن تؤخذ معاني الكلمات في الاعتبار، والمعاني إنما هي من قبيل المضمون المادي.

    لقد كان يكون سخفًا منا — بطبيعة الحال — لو ذهبنا إلى أن التفرقة المذكورة آنفًا، هي تفرقة متضمنة في طبيعة استبدالنا لكلمتَيْ «كلمات» و«جمل» بكلمتَيْ «حدود» و«قضايا»؛ ولكن أما والنظرية المنطقية على حالتها الراهنة التي هي عليها، تربط بالفعل هذا الاستبدال بفكرة التفرقة المذكورة، فقد أصبح لدينا ما يسوغ استخدامنا للمصطلحات القديمة في الموضوع؛ وإن هذا المسوغ ليزيده الاستعمالُ اللغوي قوة بسبب حقيقة سبق لنا ذكرها، ألا وهي أن كلمة «جملة» كما هي مستعملة في اللغة الجارية، تدل على ختام البحث أكثر مما تدل على بدايته، أو على السير المستمر في طريق تنفيذه؛ على حين أن كلمة «قضية» — من جهة أخرى — توحي على الأقل بأن شيئًا يعرض علينا لنقضي في أمره، بحيث يمكن أن نضعه فيما بعد موضع الاعتبار، ولذلك فهو شيء يدخل دخول التكامل في مجرى البحث المستمر.

    إن موضع النزاع الأساسي حول منطق القضايا، إنما يتصل بالنزاع الأصيل القائم بين النظرية القائلة بأن القضايا تردُ في المراحل الوسطى من السير في البحث، وبأنها أدائية في مهمتها التي تؤديها، وهي إقامة حكم نهائي نختم به سير البحث، وبين النظريات — تقليدية أو معاصرة — التي تعزل القضايا عن وضعها وعن مهمتها اللذَيْن يدل عليهما السياق، واللذَيْن يجعلانها تؤدي إلى تحديد الحكم النهائي؛ وإن إحدى هذه النظريات التي ذكرناها، لتذهب إلى أن الحكم وحده هو المنطقي، وأما القضايا فليست إلا عبارات لغوية تعبر عن الأحكام؛ وهي وجهة نظر تتسق مع الفكرة القائلة بأن المنطق هو نظرية الفكر، حيث يكون الفكر أمرًا عقليًّا؛ على حين تقول نظرية أخرى من تلك النظريات أيضًا بأنه ما دام الحكم وقفة عقلية — يقفها من يصدر الحكم — إزاء القضايا، إذن فالقضايا وحدها هي ذات الطبيعة المنطقية؛ وعلى الرغم من حدة الخلاف بين هاتين النظرتين، فإن كلتيهما تتفقان معًا على أن الحكم — أو «الفكر» بصفة عامة — هو شيء عقلي؛ وعلى ذلك فكلتاهما تقفان موقف المعارضة لوجهة النظر التي نأخذ بها في هذا الكتاب، ومؤداها أن البحث إنما يختص بتحويلات موضوعية تطرأ على مادة موضوعية؛ وأن مثل هذا البحث هو الذي يعرف لنا المعنى الوحيد الذي نجعل به «الفكر» أمرًا ذا صلة بالمنطق؛ وأن القضايا ليست سوى تقديرات وتقويمات مؤقتة نزن بها كائنات الوجود الخارجي وتصورات العقل، باعتبارهما وسيلتين لإقامة حكم أخير يكون بمثابة حل موضوعي لموقف مشكل؛ وبناء على ذلك فالقضايا تشكيلات رمزية، على أن هذا الرمز لا هو رداء خارجي، ولا هو شيء كامل ونهائي في ذاته.

    وربما كانت أكثر وجهات النظر شيوعًا اليوم، هي وجهة النظر التي تعد القضايا مادة الرباط الذي يضم النظرية المنطقية كلها في كيان واحد؛ وللقضايا — بناءً على هذه النظرة — خصيصة تحددها، وهي أن تكون قابلة للحكم عليها بالصدق أو بالكذب من الناحية الصورية؛ وأما بناء على وجهة النظر التي نأخذ بها في هذا الكتاب، فالقضايا تتباين أو تتشابه على أساس المهمة التي يؤديها مضمون القضية من حيث هو وسيلة — إجرائية أو مادية — ثم نفرع عن الفروق بين القضايا المختلفة فروقًا فرعية أخرى تباين بين صورها، على أساس الطرق الخاصة التي نستخدم بها موضوعات تلك القضايا الفرعية استخدامًا يجعلها وسائل تؤدي إلى غايات؛ وهذه النقطة الأخيرة هي الفكرة الرئيسية التي نعرضها في هذا الفصل؛ لكنه جدير بنا في هذا الموضع أن نقول بأنه ما دامت الوسائل — من حيث هي مجرد وسائل — لا هي بالصادقة ولا هي بالكاذبة، إذن فليس الصدق أو الكذب هو الخصيصة التي تميز القضايا؛ فنحن إنما نقول عن القضايا إنها فعالة أو غير فعالة، وإنها تمس صميم الموضوع أو ليست لها به صلة، وإنها مضيعة أو مقتصدة؛ على أن معيار التفرقة في هذه الحالات كلها إنما يكون في العواقب التي كانت الوسائل وسائل لها؛ وعلى هذا الأساس نقول عن القضايا الخاصة إنها سليمة التطبيق (قوية وفعالة) أو غير سليمة التطبيق (ضعيفة وغير وافية)، أو نقول عنها إنها مهملة الأطراف أو محكمة الأطراف وهلم جرًّا.

    وعلى هذا فليس ينبغي أن نفرق بين سلامة التطبيق وعدم سلامته وبين الصدق والكذب، فحسب، بل لا بد كذلك أن نفرق بينهما وبين الصحة الصورية؛ فما دام الشأن في أية قضية معينة هو أنها تقدم أو تعوق إنشاء الحل الأخير (للمشكلة التي نكون بصدد حلها) إذن فلا يمكن الحكم عليها منطقيًّا على أساس مجرد علاقاتها الصورية التي تصلها بغيرها من القضايا؛ فالقياس الذي نقول فيه: «كل التوابع مصنوعة من جبن أخضر، والقمر أحد التوابع، إذن فهو مصنوع من جبن أخضر» هو قياس صحيح من الوجهة الصورية؛ غير أن القضايا الداخلة فيه مع ذلك ليست سليمة التطبيق، لا لمجرد كونها «كاذبة من الناحية المادية» بل لأنها بدل تقديمها لعملية البحث، تعوقها وتضللها، لو أنها أُخذت مأخذ القبول واستُعملت.٣

    لقد أسلفت القول بأن القسمة الأساسية للقضايا، إنما تقوم على مكانها الأدائي من الحكم، وها أنا ذا أعود إلى هذه النقطة؛ فالحكم المدعم يعتمد على إيجاد الوقائع التي (١) تحدد وضع المشكلة ومحيطها، أعني المشكلة التي خلقها موقف غير متعين، والتي (٢) تهيئ لنا الشواهد التي تختبر بها الحلول المقترحة والمعروضة وبهذا يكون لدينا قضايا، هي أحد قسمين رئيسيين للقضايا، وهو القسم الذي تدور قضاياه حول مضمونات الأشياء التي نجعلها موضوعات لتلك القضايا؛ لكن الحكم المدعم معتمد كذلك على معانٍ أو بناءات تصورية في الذهن (١) تمثل لنا الحلول الممكنة للمشكلة المطروحة بين أيدينا، و(٢) وترسم خطة للإجراءات التي لو نفذت لتولدت عنها معطيات جديدة تميل بنا نحو موقف متعين الحدود في العالم الخارجي؛ وهذه هي قضايا تدور حول مضمونات المحمول — وهي قضايا القسم الثاني من القسمين الرئيسيين.

    أما القسم الرئيسي الأول من قسمَي القضايا، فتتألف مادة موضوعه أو يتألف مضمونه من المعطيات المشاهدة أو الوقائع؛ وهذه تسمى بالوسائل المادية؛ وهي — من حيث هي وسائل مادية — إمكانات من شأنها — في تفاعلها مع ظروف وجودية أخرى — أن تنتج — متأثرةً بفعل إجراء تجريبي نجربه — أن تنتج تلك المجموعة المنظمة من الظروف التي منها يتألف موقفٌ حُلَّ ما قد كان فيه من إشكال؛ ومثل هذا الموقف الذي يتحقق وجوده في العالم الخارجي، إنما تكون الوسيلة الصريحة لاستحداثه هي ما يتم بين الوقائع الخارجية من تفاعل؛ نعم إن ما قد كان مقتصرًا على مجرد الوجود بالقوة في لحظة معينة من الزمن، قد يتحول إلى وجود بالفعل في لحظة تالية من لحظات الزمن، لا لشيء سوى ما يطرأ على الظروف المحيطة به من تغير، دون أن يتدخل الإنسان بأي إجراء ينطوي على جانب منطقي أو عقلي؛ كما يحدث مثلًا حين يتجمد الماء بسبب تغير معين يطرأ على درجة الحرارة؛ غير أنه في البحث لا بد أن يتدخل الباحث بإجراء متعمد، أولًا باختياره للظروف التي يراها عوامل فعالة؛ وثانيًا بإقامته للظروف الجديدة التي تتفاعل مع الظروف التي كانت موجودة من قبل؛ وهذان الإجراءان ترسم لهما الخطة التي من شأنها أن تقرب الباحث بقدر الإمكان من أن يحدد على وجه الدقة ماذا يكون نوع التفاعل — حين نجمع الظروف المتشابهة معًا، ونباعد بين الظروف المتباينة — ماذا يكون نوع التفاعل الذي لا غناء عنه لإنتاج مجموعة محددة من النتائج؛ وإنما تكون العلاقة بين الظروف المتفاعلة من جهة والنتائج المتحققة من جهة أخرى، علاقة عامة، كما تكون علاقة صورية من حيث جانبها الأدائي، لأنها تكون علاقةً قد تحررت من كل إشارة إلى أية حالة جزئية من حالات الحدوث المتحقق في المكان والزمان.

    وينبغي أن نفرق بين حالات الوجود بالقوة والإمكانات المجردة؛ فالأولى هي «قوى» وجودية تتحقق بالفعل في ظروف معينة من تفاعل الكائنات الموجودة في العالم الخارجي بعضها مع بعض؛ وأما الإمكان — على خلاف ذلك — فأمره أمر إجراء نجريه من حيث هو إجراء صرف؛ أي إن الإمكان هو قابلية الإجراء؛ ولا نقول عنه إنه قد تحقق وجوده بالفعل إلا حين ينصب الإجراء على كائنات فعلية، لا على رموز أو بوساطة رموز؛ والإجراء الممكن — بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة — هو الذي تتألف منه فكرة أو تصور ذهني؛ فإذا كان تنفيذ الإجراء منصبًّا على مادة فكرية حالة كونها مرموزًا لها برمز، فإنه لا يُنتج النتائج التي من شأنها أن تزيل حالة التوتر؛ إذ هو لا ينتج هذه النتائج — كما أشرنا في الفقرة السالفة — إلا بإضافة ظروف عن طريق الإجراء العملي، فتخلق تلك الظروف نوعًا محددًا من التفاعل؛ ففكرة اجتراع شراب من الماء — مثلًا — لا تؤدي إلى شرب الماء فعلًا إلا لأنها تحدث تغيرًا في الظروف التي كانت قائمة من قبل، وأقل ما يحدث في هذا الصدد أن يدار صنبور أو يصب الماء من إناء، لكي نصل بين الماء وبين مجموعة جديدة من الظروف؛ ومن هذه الملاحظات التمهيدية العامة ننتقل بالحديث إلى النظر في الأنواع المختلفة من القضايا، أعني الأنواع التي هي الأقسام الفرعية التي ينقسم إليها هذان النوعان الرئيسيان اللذان فرغنا الآن من وصفهما.

    (١) القضايا الوجودية

    (١-١) قضايا الإشارة إلى جزئي

    إن القضايا التي هي من النوع الذي يُقال عنه إنه يشير إلى جزئي، لتمثل القضايا ذوات الموضوع ذي الفحوى، حين تكون هذه القضايا في أولى صورها الأولية؛ إذ هي قضايا تصف كائنًا مفردًا، يُشار إليه ﺑ «هذا» بصفة جاءتنا عن إجراء أجريناه بأحد أعضاء الحس؛ كأن نقول مثلًا: «هذا مر، أو لينٌ، أو أحمر … إلخ» (وفعل الكينونة is الذي يرد في العبارة الإنجليزية في أمثال هذه الحالات، والذي يربط بين الموضوع وصفته) يكون رابطة ذات قوة وجودية، لا رابطة خارجة عن مجرى الزمن (بسبب كونها منطقية بالمعنى الدقيق)؛ فقولنا «هذا مر» معناه إما أن عملية فعلية لتذوق باللسان قد أجريناها فعلًا فأحدثت تلك الصفة في عالم الوجود الفعلي كما وقع لنا في الخبرة وقوعًا مباشرًا، أو أن تنبؤًا نتنبأ به وهو أنه إذا أُجريَ إجراء معين، أَنتج ذلك الإجراء صفة المرارة؛ وقولنا «هذا لين» معناه أن شيئًا بالذات يتقبل الضغط بسهولة، وأنه لن يُلزمَ معظم الأشياء الأخرى بتقبل ضغطه إذا ما ضَغط عليها؛ وحين يُقال عن هذا «إنه لامع» كان معنى ذلك حدوث نتيجة فعلية، وهي حالة تفاعل الجسد مع الضوء؛ واختصارًا فالقضية لا تكون جزئية الإشارة لانطباقها على فرد واحد، بل تكون جزئية الإشارة لأنها تصف «شيئًا معيَّنًا حدث بالفعل في هذه النقطة المكانية المحددة وهذه اللحظة الزمنية المحددة»، أي إنها تصف تغيرًا مباشرًا؛ فمن القضية الجزئية الإشارة بمعناها الدقيق، لا يجوز لنا أن نستدل أن الفرد الذي نشير إليه فيها بكلمة هذا سيظل مرًّا، أو لزجًا، أو أحمر، أو لامعًا، أو ما شئت من صفات؛ فربط الصفة بموصوفها المفرد (بفعل الكينونة is في هذه الحالات)، إنما يشير إلى اللحظة الحاضرة بكل ما في هذه الكلمة من معنًى؛ أو إذا كنا نريد التنبؤ بما عساه أن يحدث في المستقبل، ففعل الكينونة is في هذه الحالة يشير كذلك إلى لحظة موقوتة من الزمن سترد في المستقبل.

    فحين تسمى القضايا السالفة الذكر — كما تسمى أحيانًا — بقضايا الإدراك الحسي، يحدث خلط بين الظروف السببية التي تقع فيها الصفة المعينة، وبين الصورة المنطقية لهذه الصفة؛ فيهمنا أعظم الأهمية في شئوننا العملية أن نعرف الظروف السببية التي تجعل الشيء صلبًا أو مرًّا أو أزرق، إذ بغير هذه المعرفة لا نجد الوسيلة التي نضبط بها حدوث أمثال هذه الصفات؛ غير أن الدلالة المنطقية ﻟ «جزئي» ما إنما يُحددها حدوث الصفة التي نكون بصددها حدوثًا متعين المكان والزمان تعينًا دقيقًا؛ ومن ثَم كانت أمثال هذه القضايا هي التي تمثل أولى مراحل تحديد المشكلة؛ لأنها تزودنا بمعلوم أوَّلي، إذا ما أضفناه إلى غيره من المعطيات، فقد يدلنا على نوع المشكلة التي يقيمها الموقف الذي نحن إزاءه، وبهذا فهو يزودنا بشاهد من الشواهد التي تشير إلى حل مقترح لها، كما يكون أداة لاختبار ذلك الحل؛ على أن هنالك حالات تكون فيها للعبارة اللغوية الواحدة قوة القضية الدالة على تمثيل الفرد الجزئي لنوع ما، بالإضافة إلى دلالتها الإشارية، وهي صورة سنتناولها فيما بعد مباشرة؛ ففي سياق معين من البحث، قد لا يعني قولنا «هذا حلو» أن تغيرًا معلومًا هو في حالة الحدوث، وأنه لا بد من أخذه مأخذ الاعتبار في صياغة مشكلة ما؛ إذ قد يكون هذا القول في سياق خاص، علامةً على أن مشكلة معينة قد انتهت إلى حل؛ كما هي الحال مثلًا في مشكلة يكون هدفنا فيها هو البحث عن شيء ما من شأنه أن يحل شيئًا آخر، أما إذا فصلنا الصورة اللغوية عن مادة السياق التي هي مشكلةٌ معينة وبحثها، كان محالًا علينا أن نقرر ماذا تكون الصورة المنطقية التي جاءت تلك الجملة لتعبر عنها.

    (١-٢) قضايا تمثيل الفرد لنوعه

    قضايا تمثيل الفرد لنوعه هي تلك التي تحدد ما نشير إليه بقولنا هذا، على أنه أحد أفراد نوع معين؛ خذ المعنيين الممكنين لقولنا: «هذا حلو»؛ فإذا كانت القضية هنا قضية تشير إلى جزئي، كان معناها — كما قد أسلفنا القول — أن تغيرًا مباشرًا قد حدث أو هو على وشك الحدوث؛ وأما حين يقصد بهذه العبارة نفسها أن تقدم حل مشكلة قائمة، فمعناها يكون أن «هذا» هو أحد أعضاء نوع الأشياء الحلوة، أو أن هذا فيه صفات موجودة بالقوة، هي التي تكون خصائص أي شيء حلو؛ وعندئذٍ لا تكون صفة كونه حلوًا مجرد تغير قد حدث، بل تكون علامة على مجموعة مقترنة من النتائج التي ستحدث إذا ما حدثت تفاعلات معينة؛ خذ مثلًا هذه القضية «إنه قاسٍ» أو «إنه رحيم» فها هنا نجد الصفة التي تمثلها كلمة «قاسٍ» أو كلمة «رحيم» تدل على ميل نحو الفعل بطريقة معينة، وليست هي مقصورة على تغير يحدث في لحظة معينة من الزمن؛ بل إن ما يحدث في اللحظة الزمنية المعينة يتخذ شاهدًا على السمات الدائمة التي تصف نوعًا ما؛ وإن وجود هذه السمات التي تصف النوع ليتجلى في وضوح، إذا بدلنا من صيغة العبارة بحيث تصبح «إنه شخص قاسٍ».

    أما قضايا كهذه؛ «هذه شجرة من شجر الدردار» أو «هذا سكر، أو حجر من الجرانيت، أو شهاب … إلخ» فلا ازدواج في تحديدها وفي تمييزها لفرد ما على أنه عضو في نوع معين؛ ولا حاجة بنا إلى أن نعيد هنا ما قد أسلفناه عن قوة فكرة النوع أو مقولة النوع في سهولة الحصول على نتائج استدلالية مدعمة؛ لكنه قد يكون من الضروري أن نذكر أنه حين تكون لكلمة وصفية مثل «محسن» و«ثديي» نفس القوة المنطقية التي تكون للاسم العام، فعندئذٍ يكون هناك افتراض مسلَّم به، وهو وجود خصائص وصفية أخرى تقترن بالصفة التي أعلن عن وجودها؛ فحين يُقال: «هذا حديد» فمن الواضح عندئذٍ أن كلمة حديد تشير إلى سمات ليست مشهودة الآن شهودًا مباشرًا، لكنها من حيث هي نتائج موجودة بالقوة، تتصل بصلة الاقتران مع الصفة الحاضرة حضورًا مباشرًا، كصفة اللون أو صفة الملمس؛ وكذلك قلْ في الفرق بين هاتين القضيتين: «إنه (ها هنا وفي هذه اللحظة) يسلك سلوك الرحيم» و«إنه رحيم»؛ فهو فرق قوامه أن القضية الثانية تتضمن استدلالًا يبدأ من المعطي المباشر الذي هو تغيرٌ تقرره القضية الأولى، وينتهي إلى مجموعة من السمات لا تكون بذاتها مشهودة في تلك اللحظة الزمنية وذلك المكان المعين.

    وهكذا تعود بنا القضية التي تتحدث عن فرد من حيث هو عضو في نوع، إلى ما قلناه في الفصل السابق عن سير الحكم في طريق متصل الحلقات؛ فهذه القضايا الآتية: «هذا له لمعة الزجاج؛ ولا يمكن خدشه بسكين؛ وهو يخدش الزجاج؛ ولا ينصهر بنافث النار؛ ويتحطم في شظايا صدفية» هي قضايا — لو أخذت كل منها على انفراد — كانت أوصافًا لطرائق معينة من التغير؛ أما إذا طبقناها مقترنةً ومتجمعةً على شيء معين نشير إليه ﺑ «هذا»، فعندئذٍ نحصل منها على مجموعة من السمات المقترنة التي تصف نوع حجر الصوان (الكوارتز)؛ (١) فتغير واحد معين لا يكون من بين ما نلاحظه على أنه حقيقة واقعة فنشاهدها كما تقع؛ بل الذي نلاحظه عندئذٍ هو الظروف التي لا بد من توافرها لحدوثه؛ (٢) وهذه التغيرات يتبين لنا أنها مشتبكة بعضها مع بعض على نحو يجعل حضور إحداها علامةً مأمونة على أن سائرها سيمثلُ أمام أعيننا إذا ما حدثت تفاعلات من نوع معين، رغم تنوع الظروف التي قد تحيط بها في حالات مثولها؛ وكذلك قلْ في هذه القضية: «هذا يحيل الورقة الزرقاء حمراء» فهي في ذاتها وبذاتها لا تفعل أكثر من كونها تسجل ملاحظةً قائمة وحدها؛ لكننا إذا ما كنا في طريقنا من أبحاث يكمل بعضها بعضًا، ويجيء سابقها متبوعًا بلاحقها، وإذا ما وجدنا هذه الأبحاث تنتج لنا قضايا أخرى عن هذا (المشار إليه في القضية المذكورة)، فعندئذٍ تصبح قضية «هذا حامض» (أي إنه منتمٍ إلى نوع بعينه) قضية جائزة القبول (بفضل القضية المذكورة سابقًا)، وهكذا قد أصبح في مستطاعنا أن نحدد تحديدًا قاطعًا الفوارق المنطقية بين الصفة، والقَسْمة، والسمة، والخصيصة، وهي فوارق قد أثبتناها فيما سبق؛ ﻓ «تحويل الورقة إلى اللون الأحمر» — باعتباره موضوعًا لمشاهدة جزئية — يكون صفة؛ لكنه يكون سمة أو قسمة مميزة تعين حدود النوع، لو كان ذلك التحويل إلى اللون الأحمر يمكننا من الاستدلال المأمون من الخطأ بدرجة معقولة، فنستدل منه حدوث صفات أخرى في ظل ظروف معينة؛ ثم يصبح خصيصة إذا ما ثبت بأمثلة سلبية وأخرى إيجابية أنه علامة ثابتة يركن إليها في توقع قسمات أخرى نعلم أنها مقترنة بالقسمة المذكورة؛ فعندئذٍ تكون هذه الخصيصة منتمية إلى النوع كله بجميع حالاته، وبحكم طبيعته الأصيلة.

    إنه يغلب أن تسمى القضايا التي هي من النوع الذي نحن الآن بصدد بحثه، يغلب أن تسمى هذه القضايا في المؤلفات المنطقية المعاصرة، بقضايا عضوية الفرد في نوع؛ غير أن العضوية تتضمن اعترافًا بأمر لا يدخل في طبيعة هذه القضايا؛ إذ القضايا التي تقول «هذا ينتمي إلى نوع بعينه» تجعل «هذا» حالة من حالات نوع أو ممثلًا لنوع أو عينة له أكثر مما تجعله عضوًا؛٤ فمن ناحية نرى تحديد الفرد على أنه واحد من نوع، يتضمن انتقاصًا من فردية الفرد الذي نشير إليه ﺑ «هذا»، إذ لا يعود منظورًا إليه بكل ما له من وجود كيفي، بل ينحصر في كونه قسمة من القسمات التي تفيدنا في تمييزه وتعيينه من حيث هو واحد من نوع؛ ومن ناحية أخرى، وأعني بها مدى الاستدلالات المدعمة التي يمكن انتزاعها، فإن لذلك الانتقاص (من فردية الفرد بجعله أحد أفراد النوع) يصاحبه شيء من التوسيع؛ فالصورة اللغوية المعتادة هنا — كما هي في حالات أخرى كثيرة جدًّا — ليست هاديًا مأمون الجانب؛ فقولنا: «كان بولس مواطنًا رومانيًّا» قد يقف عند حد تقريره لحقيقة تاريخية معينة، لكن هذه العبارة نفسها في السياق الذي قيلت فيه ذات مرة، كان معناها عندئذٍ أن بولس كان يمثل نوعًا من المواطنة يحمل معه حقوقًا معينة؛ إذن فمجرد تتابع الجزئيات لا يحدد انتماء كائن معين إلى نوع بذاته، فلا بد للتغيرات الخاصة التي تحدث أن تكون قادرة على تمثيل سواها؛ وهذه الحقيقة إنما تهدم الزعم الذي كثيرًا ما يزعمون به أن صفة مثل أحمر وصلب، هي في صميم طبيعتها عامة أو كلية؛

    Enjoying the preview?
    Page 1 of 1