About this ebook
يستعرض المؤلف جون ديوي العوامل التاريخية والعلمية والاجتماعية التي أعادت تشكيل المفاهيم الأساسية للفلسفة، من معنى الخبرة والعقل، إلى العلاقة بين المثالي والواقعي، مرورًا بإعادة النظر في المنطق والأخلاق. ويؤكد أن التجديد الحق لا يتحقق بتلميع الوسائل الفنية أو الانشغال بالحذلقة النقدية على الماضي، بل بتركيز الجهد على المشكلات الراهنة التي تهم الإنسان اليوم.
يُبرز الكتاب أن الفلسفة الجديدة يجب أن تتسم بالمرونة والانفتاح، وأن تنخرط في معالجة قضايا المجتمع المعاصر من تعليم، وديمقراطية، وعدالة اجتماعية، بدل الاكتفاء بالتأمل المجرّد. بهذا المعنى، يشكّل «تجديد الفلسفة» بيانًا فكريًا لتأسيس فلسفة عملية، تتغذى على التفاعل مع الواقع، وتسعى إلى صنع حلول قابلة للحياة، لا إلى بناء ملاذات فكرية بعيدة عن صخب العالم.
Read more from جون ديوي
الفردية ..قديما وحديثا Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالبحث عن اليقين Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالمنطق نظرية البحث 1: الجزء الأول Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالمنطق نظرية البحث 2: الجزء الثاني Rating: 0 out of 5 stars0 ratings
Related to تجديد في الفلسفة
Related ebooks
الفلسفة أنواعها ومشكلاتها Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsحكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsفلسفة المحدثين و المعاصرين Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsجذور المعرفة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالبراجماتية Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsأساليب التفكير Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsنشأة الفلسفة العلمية Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمعانى الفلسفة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsفصول فى الفلسفة ومذاهبها Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsأفكار ورجال: قصة الفكر الغربي Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمباهج الفلسفة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsنزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالتطور الخالق Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالعقل والوجود Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمبادئ الفلسفة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالبحث عن اليقين Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمطارحة الإشكال في قضايا فلسفية معمرة ووليدة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمبادئ الفلسفة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالفلسفة الألمانية الحديثة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsعرض تاريخي للفلسفة والعلم Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsتاريخ الفلسفة الغربية (الكتاب الأول): الفلسفة القديمة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالعقل و الوجود Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsتاريخ الفلسفة فى الإسلام Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمعاني الفلسفة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsآراء فلسفية في أزمة العصر Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsنهاية الماركسية Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمدخل معاصر إلى فلسفة العقل Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsقصة الفلسفة: من افلاطون الى جون ديوى Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالفلسفة في كل العصور Rating: 0 out of 5 stars0 ratings
Reviews for تجديد في الفلسفة
0 ratings0 reviews
Book preview
تجديد في الفلسفة - جون ديوي
تصدير
دعتني الجامعة الإمبراطورية في طوكيو، عاصمة اليابان، لإلقاء سلسلة من المحاضرات في شهري فبراير ومارس سنة 191٩، فانتهزت هذه الفرصة التي أتيحت لي، واخترت أن أقوم بمحاولة لتجديد معاني الفلسفة وطرق التفكير المتبعة فيها الآن، ولا يخفى أن مثل هذه المحاضرات لا يمكن أن تخلو من آثار لوجهة نظر مؤلفها الخاصة، ولكن الغرض الذي تهدف إليه لم يكن يعدو عرض وجوه التعارض العامة التي بين المشكلات الفلسفية القديمة، والمشكلات الحديثة، فلست أرمي في هذه المحاضرات إلى الدفاع عن رأي خاص معين لحل تلك المشكلات، ولكنني لا أخفي مع ذلك أني قد حاولت جهدي أن أكشف عن القوى والعوامل التي تجعل إعادة التفكير في المشكلات العقلية أمرًا لا بد منه وأن أرسم له بعض الخطوط والاتجاهات التي ينبغي أن يسير فيها.
إن كل من أسعده الحظ بضيافة في اليابان، تلك الضيافة الفذة الفريدة في بابها، ليحار كل الحيرة إن هو حاول أن يشكر لمضيفيه الشكر الذي يتكافأ مع ما أولوه من كرم وحسن وفادة، ومع ذلك لا يسعني إلا أن أدون شكري، وأسجل تقديري لهم، ولا سيما ما لقيته من أدب جم وعون عظيم من أعضاء هيئة التدريس بقسم الفلسفة بجامعة طوكيو ومن صديقي العزيزين الدكتور أونو والدكتور نيتوبي.
ج. د.
سبتمبر سنة 1919.
المقدمة
التجديد كما يرى بعد خمسة وعشرين عامًا
وضع
متن هذا الكتاب من خمس وعشرين سنة مضت، عقب الحرب العالمية الأولى بقليل، ونشر من غير مراجعة، ثم كتبنا له هذه المقدمة بالروح التي أملته مؤمنين كل الإيمان بأن الأحداث التي جرت في الفترة التي انقضت بين نشر الكتاب وبين وضع هذه المقدمة، قد خلقت موقفًا أضحت فيه الحاجة إلى التجديد أمسَّ بكثير مما كانت عليه الحال عندما ألفنا هذا الكتاب، ومؤمنين كذلك -بصفة خاصة- بأن الموقف الحالي يشير إشارات تزداد وضوحًا على مر الأيام، إلى المواطن التي يجب أن يتركز فيها التجديد المنشود، والمواضع التي ينبغي أن تبدأ منها تفصيلات التطورات الجديدة، وإني لأرى اليوم أن الأولى بالكتاب أن يسمى «تجديد الفلسفة» لا «التجديد في الفلسفة»، أول مرة قد حددت الغرض الأساسي الذي يقوم عليه المتن تحديدًا قاطعًا وأبرزته في جلاء وهو: أن الوظيفة المميزة للفلسفة، وأن مشكلات الفلسفة، ومادتها، إنما تنشأ عما يحدث من ضروب التوتر في الحياة الاجتماعية التي منها ينشأ لون بعينه من ألوان الفلسفة، ومن ثم كانت مشكلاتها الجزئية تختلف باختلاف التغيرات التي تحدث في الحياة الإنسانية، وهي تغيرات مستمرة تنشأ عنها من حين إلى آخر أزمة قد تكون نقطة التحول في تاريخ البشرية كلها.
كانت الحرب العالمية الأولى صدمة قوية لعهد التفاؤل الذي سبق قيامها لما غلب على الناس فيه من الاعتقاد بأن العالم يسير سيرًا مطردًا نحو حسن التفاهم بين الشعوب وبين الطبقات ومن ثم فهو سير أكيد نحو انسجام وسلام، والصدمة اليوم أفظع من صدمة الأمس بدرجة توشك أن تجاوز كل حد معقول، فعدم الاطمئنان والكفاح قد غلبا على الناس حتى لقد سادت فيهم روح العقل والارتياب المتشائم، فريبتنا مما يدخره لنا المستقبل تغشى كل مظاهر الحياة في الوقت الحاضر بظل كثيف حالك.
فلم يعد كثير من الناس يبدون اليوم أية ثقة بقدرة الفلسفة على معالجة المشكلات الخطيرة التي نواجهها معالجة ناجعة، ويتجلى عدم الثقة هذا ظاهرًا في حرص الناس على إصلاح الوسائل الفنية وفي مراجعة المذاهب الماضية وتحليلها ولا شك في أن الاهتمام بكل من هذين الأمرين له ما يسوغه من بعض الوجوه، أما الوسائل الفنية فلا يمكن أن يكون التجديد فيها عن طريق توجيه الاهتمام إلى الشكل على حساب المضمون المادي كما هي الحال في الوسائل الفنية التي تصطنعها في ترقية قدراتنا الصورية وتهذيبها حين يكون مجال هذه القدرات أكثر صورية من وسائل البحث فيه، وأما من حيث الاهتمام بالأمر الثاني فسبيل التجديد فيه لا يكون بالإمعان في الحذلقة العلمية عن الماضي حذلقة لا تلقي أي ضوء على المشكلات التي تعضل الناس وتشغلهم في الوقت الحاضر. فليس إذن من الإسراف في شيء أن نقول أنه حيثما يسود الاهتمام بهذين الأمرين اللذين أشرنا إليهما توًا، فإن الانسحاب من مجرى الحوادث الراهنة، وهو انسحاب نلحظه في الفلسفة في وضوح يزداد جلاء، هو في حد ذاته علامة على مدى القلق والاضطراب اللذين يميزان اليوم سائر الجوانب من حياة الإنسان، بل إنا لنذهب إلى مدى أبعد من ذلك ونقول أن مثل هذا الانسحاب نفسه مظهر من مظاهر ما في المذاهب الفلسفية الماضية من عيوب تجعلها قليلة الغناء في الوقت الحاضر المضطربة شئونه، وأعني بتلك العيوب رغبة الفلسفة الماضية في إيجاد شيء يقيني ثابت يصلح أن يكون ملجأ أمينًا يلوذ به الناس، فالمشكلات التي يجب أن تعنى بها أية فلسفة تصلح لوقتنا الحاضر، هي تلك المشكلات التي تنشأ عن التغيرات التي تحدث بين ظهراننا بسرعة كبيرة متزايدة في نطاق جغرافي إنساني يتسع باستمرار، وتؤثر فينا تأثيرًا عميقًا يزداد شدة وتغلغلًا في صميم أحوالنا، وهذه الحقيقة دليل قوي على حاجتنا إلى نوع آخر من التجديد غير ذلك الذي نراه قائمًا بيننا الآن بكل وضوح.
فإذا ما حدث وتقدم أحد يمثل ذلك الرأي الذي نقدمه في متن الكتاب الذي بين يدي القارئ، سارع النقاد إلى اتهامه بأنه يقف من مذاهب الماضي الفلسفية الكبرى موقفًا «لاذعًا»، كما قال ناقد رفيق فيما وجهه من نقد إلى موقفي الخاص. ومن ثم كان مما يتصل بموضوع التجديد المنشود أن نقول أن النقد الموجه ضد المذاهب الفلسفية القديمة لم يوجه إليها من حيث علاقتها بمشكلات عصرها عقلية كانت أو خلقية، وإنما من حيث مدى صلاحها لموقف آخر من مواقف البشرية قد تغير تغيرًا كبيرًا، فالأمور التي جعلت تلك المذاهب الفلسفية الكبرى موضع تقدير الناس وإعجابهم، في صلتها بظروفها الاجتماعية الثقافية، هي نفسها، إلى حد كبير، الأسس التي ينتج عنها تجردها من كل «صلة بالواقع»، ومن كل صلاحية في دنيا تختلف سماتها وملامحها اختلافًا كبيرًا عن الدنيا التي ظهرت فيها، ويتجلى هذا الاختلاف واضحًا في عباراتنا إذ نتحدث عن «الانقلاب العلمي»، و«الانقلاب الصناعي»، و«الانقلاب السياسي»، مما قد حدث في بضعة القرون القليلة الماضية، فالدفاع عن ضرورة التجديد لا يكون _على ما أرى_ إلا بتوجيه النظر النقدي نحو الظروف التي نريد للإصلاح أن يتم في حدودها وبناء عليها، فبدلًا من أن يؤخذ هذا إذن دليلًا على الحط من أقدار المذاهب الفلسفية القديمة، ينبغي أن تعد هذه النظرة الناقدة جزءًا لا غنى عنه من الاهتمام بتطور الفلسفة تطورًا يجعلها تؤدي لعصرنا ولأحوالنا ما سبق أن أدته مذاهب الماضي الفلسفية العظمى للأوساط الثقافية التي نشأت فيها، وثم نقد آخر قريب من هذا، فقد قيل أن وجهة النظر التي اتخذتها هنا بشأن عمل الفلسفة ووظيفتها، تقوم على أساس المبالغة فيما يمكن أن يتم بوساطة «الذكاء» مبالغة مسرفة، فإن اعتبرنا لفظة «الذكاء» هذه مرادفة لما أسمته مدرسة هامة من مدارس العصور الماضية «بالعقل» أو «العقل الخالص» كان للنقد ما يسوغه وأكثر، ولكن مدلول لفظة «الذكاء» هنا مدلول آخر يختلف كل الاختلاف عما يقولون عنه أنه أسمى عضو أو ملكة تمكننا من إدراك الحقائق في صورتها النهائية، فهو رمز مختصر نشير به إلى طرائق عظيمة لا تنفك عن النمو وأعني بها طرائق الملاحظة والتجريب والتفكير البرهاني التي قلبت في وقت جد وجيز ظروف الحياة الفيزيقية (المادية)، كما قلبت كذلك ظروف الحياة الفسيولوجية إلى حد كبير، لكنها لم تصل بعد إلى حد أن تطبق على الأمور التي تتميز تميزًا تامًا بأنها أمور إنسانية في أساسها، فهي طرائق مستحدثة حتى على ميدان البحث في الشئون الفيزيقية نفسها، ولكنها لم تصل إلى درجة من الأحكام فتطبق على مختلف النواحي الإنسانية، وليس التجديد المنشود الذي ندعو إليه مجرد تطبيق «الذكاء» هذا من حيث هو أداة جاهزة، ولكنه تجديد يقتضينا أن ننتقل إلى البحث في الشئون الإنسانية، والأخلاقية، الطريقة التي أوصلتنا إلى فهم الطبيعة الفيزيقية على النحو الذي نفهمها به الآن، أي طريقة الملاحظة واعتبار النظرية بالاختبار التجريبي.
فكما أن نظريات المعرفة التي نشأت قبل قيام البحث العلمي، لم تزودنا بطراز أو نموذج يحتذى في وضع نظرية من نظريات المعرفة تقوم على أساس طرق البحث المتبعة في الوقت الحاضر فعلًا، فكذلك تتجلى في المذاهب القديمة الآراء الخاصة بالعالم الطبيعي التي كانت شائعة قبل قيام الطرق العلمية، كما تتجلى فيها حالة الصناعة التي كانت قائمة قبل تقدم الطرق التكنولوجية، وحالة التنظيم السياسي قبل قيام وجهة النظر الديمقراطية، فعندما تكونت الفلسفة الكلاسيكية الأوربية كانت ظروف الحياة الفعلية في بلاد اليونان عامة وفي أثينا خاصة، تقيم حدًا صارمًا يفصل العمل عن المعرفة، ثم عمم هذا الحد في سائر النواحي حتى أصبحت الأمور النظرية منفصلة تمام الانفصال عن الأمور العملية، وتجلى فيه كذلك آنئذ النظام الاقتصادي الذي كان يقوم فيه العبيد وحدهم بالأعمال «النافعة» إلى حد كبير، مما أدى إلى إعفاء الأحرار من كل عمل كادح فصاروا بذلك «أحرارًا».
ولا يخفى أن هذه الحالة هي حالة ما كان يجري قبل قيام الديمقراطية، ومع ذلك ظل الفلاسفة يحتفظون في الشئون السياسية بفصل «النظريات» عن «العمل» مدة طويلة بعد أن صارت الآلات، والعمليات المأخوذة عن الشئون الصناعية مصادر لا غنى عنها في القيام بإجراء الملاحظات والتجارب التي هي أساس كل معرفة علمية.
وينبغي أن يكون واضحًا إلى الحد المعقول، أن ناحية هامة من نواحي التجديد الذي ينبغي تنفيذه الآن تتعلق بنظرية المعرفة. فلا شك أنا بحاجة إلى إحداث تغيير جوهري في هذه النظرية من حيث المادة التي يجب أن تقام عليها، ولسوف تعني النظرية الجديدة بطريقة السير في عملية المعرفة؛ أي تعني بالبحث المجدي بدلًا من أن تفترض أن هذه المعرفة يجب أن تأتي متفقة مع آراء تم تكوينها عن طريق آخر بشأن قدرة «الأعضاء» على الإدراك. فعلى حين أن إحلال كلمة «الذكاء» بمعناها الذي أشرنا إليه آنفًا، محل كلمة «عقل» عنصر هام في التغيير المنشود، فليس التجديد مقصورًا على هذا الأمر وحده. ذلك لأن ما يسمى بالنظريات «التجريبية» في المعرفة، وأن تكن قد رفضت الأخذ باتجاه «المدرسة العقلية»، فقد كانت تعمل بما زعمت أنه ملكة خاصة بالمعرفة كافية وضرورية، موائمة بذلك بين نظرية المعرفة وبين اعتقاداتها السابقة عن الإدراك الحسي، بدلًا من أن تستمد وجهة نظرها إلى الإدراك الحسي مما يحدث أثناء السير في البحث العلمي(¹).
هذا وينبغي أن نلاحظ أن الانتقادات التي تناولناها في الفقرات السابقة لم تتناولها للرد على ما وجه إلينا من نقد، وإنما ذكرناها أولًا لتوضيح الدواعي إلى مساس الحاجة إلى التجديد، وثانيًا على أنها أمثلة للمواضع المطلوب فيها ذلك التجديد. فليس ثمة ما يبشر بظهور فلسفة جديدة وتطورها بحيث تكون متصلة بالأحوال التي تزودنا الآن بمادة المشكلات الفلسفية ومسائلها، إلا إذا حسب التجديد حسابًا كبيرًا لكيفية دلالة المذاهب الفلسفية القديمة على الحاجة إلى التجديد في الوقت الحاضر، وللمواضع التي يكون فيها هذا التجديد.
- 2 -
قيل أن الفلسفة تنشأ عن الأمور الإنسانية، وبنية أن تكون متصلة بها. وهذا رأي ينطوي على رأي آخر مضمن فيه وذلك إن كان الاعتراف بهذه الحقيقة شرطًا لما يجب توافره لقيام التجديد الذي ننشده الآن، فإنه يعني مع ذلك أكثر من أن الفلسفة يجب أن تكون في المستقبل على اتصال وثيق بما يحدث في أمور البشر من أزمات ومن حالات التوتر. فمن المعتقد أن نظم الفلسفة الغربية الكبرى إنما قامت كلها فعلًا، وإن لم تعترف هي به صراحة على هذا الأساس، واشتغلت به، فالقول بأنها كانت دائمًا على وعي كافٍ بما كانت معنية به قولا ظاهر البطلان بغير شك، إذ كانت تنظر إلى نفسها، وتقدم نفسها إلى الناس على أنها معنية بالبحث عما كانت تعبر عنه أحيانًا بأنه الوجود، وأحيانًا بأنه الطبيعة أو الكون، أو الوجود الخالص بصفة عامة، أو العالم الواقع أو الحق، وأيًا كانت الأسماء فكلها تشترك في الدلالة على شيء تعده ثابتًا لا يتغير، ومن ثم فهو خارج عن حدود الزمن، أي أنه أزلي أبدي، وإذ كان هذا الشيء يعتبر كذلك كليًا أي شاملًا لكل شيء، فقد اعتبر هذا الوجود الأزلي الأبدي فوق كل تغير أو اختلاف يحدث في المكان. ففي هذه المسألة كان الفلاسفة يعبرون بشكل عام عن المعتقدات التي كانت ذائعة بين الناس ومؤداها أن الأحداث تجري في زمان ومكانهما غلافاها الشاملان لها كل الشمول. ولا يخفى أن العلماء الذين استحدثوا ذلك الانقلاب المعروف في العلوم الطبيعية، كانوا يعتقدون أن الزمان والمكان مستقل أحدهما عن الآخر، وهما كذلك مستقلان عما يوجد فيهما من أشياء، وما يجري فيهما من أحداث. وإذا كان افتراض مبادئ ثابتة ينطوي عليها العالم الظاهر ومن تلك المبادئ الثابتة الزمان والمكان والذرات التي لا تتغير قد غلب على العلوم الطبيعية، فلا غرو أن رأت الفلسفة في هذا الافتراض، بعد أن يأخذ شكلًا أكثر تعميقًا، أنه الأساس الذي ينبغي لها أن تقيم عليه بناءها. فعلى الرغم من اختلاف المذاهب الفلسفية في كل شيء تقريبًا، فكلها متفق على افتراض أن ما تسعى وراءه وتتميز به من حيث هي فلسفة إنما هو البحث عن النهائي الثابت الذي لا يتغير عن ذلك الذي يوجد من غير نظر إلى زمان أو مكان. لكن هذه الحالة التي كانت تسود العلم الطبيعي، كما تسود المبادئ والمعايير الأخلاقية قد طرأ عليها رأي جديد مؤداه أن العلم الطبيعي مضطر بطبيعة ترقيه الخاص، إلى أن يترك افتراض وجود مبدأ ثابت، وأن يعترف بأن ما هو «كلي» بالنسبة إليه إنما هو «التغير». غير أن هذه الحقيقة التي كشف عنها العلم الحديث، ما زالت في الفلسفة، وفي الآراء الشائعة بين عامة الناس اليوم، تعتبر مجرد مسألة «فنية» خاصة بالعلم، مع أنها في حقيقة أمرها أكبر كشف انقلابي توصل إليه الإنسان حتى اليوم.
إن ما يزعمه الناس من أن الأخلاقيات تقتضي مبادئ ثابتة لا تتغير على مر الزمان، ومعايير ومقاييس وغايات ثابتة، بوصفها أنها الحماية الوحيدة الأكيدة التي تصون الأخلاق من الفوضى، هذا الزعم لم يعد في استطاعته أن يتجه الآن إلى العلم الطبيعي يلتمس منه التأييد، ولم يعد يتوقع أنه يستطيع أن يبرر على أساس العلم، إعفاءه الأخلاقيات (العملية منها والنظرية) من اعتبارات الزمان والمكان- أي إعفاءها من عملية التغير، ولا شك في أن رد فعل انفعالي أو عاطفي سيظل يقاوم الاعتراف بهذه الحقيقة، ويأبى أن يستخدم في الأمور الأخلاقية نفس المعايير ووجهة النظر التي وجدت سبيلها الآن إلى العلوم الطبيعية، ومهما يكن من أمر فالعلم والأخلاقيات التقليدية كانت على خلاف كامل بشأن نوع الأمور التي يراه كل منهما ثابتة لا تتغير، ومن ثم حدثت شقة واسعة وعميقة بين مادة العلم الطبيعي وبين مادة علم الأخلاق التي عدوها خارجة عن الطبيعة، وإن شئت فقل عدوها فوق الطبيعة. هذا... ولا بد أن كثيرين من المفكرين قد أزعجتهم عواقب هذا الفصل التي لا مناص منها، مما جعلهم يرحبون بذلك التغير الحادث في وجهة النظر الذي سيجعل طرق العلوم الطبيعية ونتائجها صالحة للعمل بها في علم الأخلاق النظري منه والعملي. وكل ما تنشده الآن هو قبول وجهة النظر التي تقول بأن مادة الأخلاق تتأثر هي الأخرى باعتبارات الزمان والمكان. فإذا ما اعتبرنا حالة الأخلاق الحاضرة وما فيها من خلاف، وما وصلت إليه من قلة تقدير الناس لها واحترامهم إياها، وجب ألا تبدو لنا التضحية المطلوبة على أنها تهدد أولئك الذين لا تحفزهم مصالح أوضاعهم الاجتماعية الخاصة، أما من حيث الفلسفة فاعترافها بأنها تعمل على أساس ما هو أزلي وثابت لا يتغير، اعترافًا يقيدها في مهمتها وفي موضوع بحثها، بحيث يصبح ذلك أكثر من أي شيء آخر مصدر عدم احترام الناس المتزايد لها، وعدم الثقة بما تدعيه لنفسها، ذلك لأنها إنما تعمل وراء ستار ما قد نبذه العلم الآن ولم يعد يأخذ به، فلا يعاونها اليوم المعاونة الحقة سوى المؤسسات القديمة التي يتوقف ما لها من صيت وسلطان، وأرباح ناشئة عن القوة على المحافظة على النظام القديم. وهذا في نفس الوقت الذي عم فيه اضطراب الأحوال الإنسانية بصورة تستدعي بشكل عاجل أكثر مما كانت تستدعيه في أي وقت مضى، ذلك البحث «الموضوعي» الشامل الذي تعنى به الفلسفات التاريخية. فأصحاب المصالح القائمة يرون أن صيانة الاعتقاد بمفارقة الزمان والمكان لمجرى الحوادث، مما يترتب عليه ازدراء شئون البشر، فهذا الازدراء عندهم أمر لا بد منه لاحتفاظهم بسلطة تتحول عمليًا إلى قوة لتنظيم أمور الحياة الإنسانية كلها من أعلاها إلى أدناها.
ومع ذلك فهنالك من التعميم ما هو نسبي، أي تعميم بالقياس إلى غيره. فأحوال الحياة البشرية وظروفها الفعلية تختلف اختلافًا كبيرًا من حيث شمولها ومدى تعمقها ونفاذها، ولا يتوقف فهمنا لذلك على نظرية أبطلها العلم، وهي النظرية القائلة بأن زمام الأمور في أيدي قوى تشرف من الخارج ومن عل بحيث تكون تلك القوى متحركة بذاتها ومحركة لذاتها، بل الأمر على النقيض من ذلك؛ فقد أخذ الناس يحسبون للنظريات حسابها في علوم الفلك ووظائف الأعضاء والطبيعة، من شتى وجوهها المختلفة المتعددة، عندما زال موقف الاعتقاديين (الدجماطيقيين) هذا، وحل محله استعمال الفروض في إجراء الملاحظات التجريبية، لربط الحقائق الجزئية بعضها ببعض في نظم متزايدة من حيث علاقتها بالزمان والمكان. فالتعميم الذي يسم النظريات العلمية لا يرجع إلى طبيعة المضمون بحيث نفترض أن الله أو الطبيعة قد قررتها عل صورة محددة، ولكنه تعميم في قابليتها للتطبيق، أو بعبارة أخرى في مدى قدرتها على انتزاع الأحداث من انعزالها الظاهري، وتنسيقها في نظم تدل على أنها حية بفضل هذا النوع من التغير الذي نسميه نموًا (كما هي الحال في جميع الكائنات الحية). فمن حيث البحث العلمي ليس ثمة شيء أضر بحق النظريات العلمية في أن تنال القبول من الادعاء بأن نتائجها نهائية، ومن ثم لا تترقى أي ترق خلاف مجرد ازديادها ازديادًا كميًا.
وبينا أنا مشغول بكتابة هذه المقدمة وصلتني صورة خطاب ألقاه حديثًا عالم من علماء الإنجليز المرموقين، وكان يدور خطابه حول «العلم» بوجه خاص. فقال: كثيرًا ما ينظر الناس إلى الكشف العلمي في غير دقة على أنه خلق شيء جديد من المعرفة يضاف إلى ما لدينا من المقدار العظيم من المعارف القديمة
. وهذا صحيح حقًا بالنسبة إلى الكشوف التافهة تمام التفاهة، ولكنه ليس صحيحًا بحال من الأحوال بالنسبة إلى الكشوف الأساسية كالتي تحدث في قوانين الميكانيكا، وفي التركيبات الكيمائية، والتطور، وكلها كشوف يتوقف عليها التقدم العلمي آخر الأمر، وهي كشوف تستتبع دائمًا تقويض المعرفة القديمة أو تفكيك عراها قبل أن تتمكن من خلق المعرفة الجديدة(²). ثم يواصل الخطيب قوله فيضرب عدة أمثال على أهمية الخروج من تلك المسالك التي ظلت يد العادة الثقيلة تدفع فيها كل نوع من أنواع النشاط الإنساني دون أن تستثني حتى البحوث العلمية والعقلية ذاتها. وقال: «لم يكن مصادفة أن أول من فهم البكتريا مهندس ري كان يقوم بتطهير الترع، وأن الذي عزل الأوكسيجين قسيس يدين بالمذهب الواحدي، ولم يكن عرضيًا كذلك أن أرسى كيميائي قواعد نظرية العدوى، وأثبت نظرية الوراثة معلم في دير، وأثبت نظرية التطور رجل لم يكن يصلح عند الجامعات أن يكون محاضرًا في علم النبات أو الحيوان». ثم ختم العالم الانجليزي خطابه بقوله: «أنا لفي حاجة ماسة إلى إنشاء وزارة لأحداث الاضطراب والقلقلة كي تكون مصدرًا منظمًا لإثارة المضايقات وهادمة للنمطية والروتين ومقوضة لدعائم الرضا بالموجود». «فروتين» العادة يقتل كل شيء حتى البحث العلمي نفسه، فيحول دون الكشوف، ويعوق الباحث العلمي النشيط عن عمله. فالكشف والبحث مترادفان من حيث جانبهما العملي. فالعلم إنما هو في المتابعة وليس مجرد اقتناء لما هو ثابت
