المنطق نظرية البحث 1: الجزء الأول
By جون ديوي, رأفت علام (Editor) and فريق الترجمة بمكتبة المشرق الإلكترونية
()
About this ebook
Read more from جون ديوي
الفردية ..قديما وحديثا Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالبحث عن اليقين Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالمنطق نظرية البحث 2: الجزء الثاني Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsتجديد في الفلسفة Rating: 0 out of 5 stars0 ratings
Related to المنطق نظرية البحث 1
Related ebooks
المنطق الحديث ومناهج البحث Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsرسالة منطقية فلسفية Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالعقل والوجود Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsفلسفة العلم الفيزيائى Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمدخل معاصر إلى فلسفة العقل Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsنشأة الفلسفة العلمية Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsتفسير السلوك Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالعقل و الوجود Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsعلم اللغة: مقابلات مع جيمس ماغيلفري Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمبادئ الفلسفة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsمحك النظر Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsبرتراند راسل: مشاهدات شخصيات مؤثرة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالأخلاق -ادوارد مور Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsأصول الفلسفة.. علم المنطق - علم الأخلاق: (الجزء الثالث والرابع) Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالسرد - مدخل إلى مناهج الأدب الفرنسي الحديث Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsبحوث فلسفية Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsتذويب الإنسان Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالبراجماتية Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالتربية Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالوعي والعدم: جوهر الوجود وحدود اللغة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsاﻷلفاظ المستعملة في المنطق Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالفلسفة الألمانية الحديثة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsدراسات لسانية في القرآن الكريم (1) Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالمنهج في عصر مابعد الحداثة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsتطور علم الطبيعة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsجان بول سارتر: (عقول عظيمة) Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsفلسفة ابن رشد Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsالاتجاهات الأساسية في علم اللغة Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsاستقبال الشعر Rating: 0 out of 5 stars0 ratingsحكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي Rating: 0 out of 5 stars0 ratings
Reviews for المنطق نظرية البحث 1
0 ratings0 reviews
Book preview
المنطق نظرية البحث 1 - جون ديوي
مقدِّمة
هذا الكتاب تنمية لأفكار في طبيعة النظرية المنطقية، قدمتها لأول مرة منذ أربعين عامًا أو نحوها في كتاب «دراسات في النظرية المنطقية» Studies in Logical Theory وهي أفكار تناولتها بشيء من التوسيع في كتاب «مقالات في منطق التجارب» Essays in Experimental Logic، ثم لخصتها في إيجاز — مع اهتمام خاص بموضوع التربية — في كتاب «كيف نفكر» How We Think. وإنه على الرغم من أن الأفكار الأساسية ظلت بغير تغيير، فقد طرأ عليها بطبيعة الحال تعديل ملحوظ خلال الأعوام التي انقضت منذ أول عرضها إلى اليوم؛ فلئن كان موقفي إزاء المسائل المختلف عليها لم يتغير، إلا أن ما قد رأيته من توحيد بين الفكر النظري من جهة والبحث الموضوعي من جهة أخرى ربما يعرض الأمر — فيما أظن — على نحو يجعله أقل تعرضًا لسوء الفهم مما كانت عليه أفكاري في صورتها الأولى؛ فهذا الكتاب إنما يتميز بصفة خاصة بتطبيقه لأفكاري السابقة تطبيقًا يفسر صور التفكير والعلاقات الصورية التي هي قوام مادة المنطق كما نألفها في صورتها التقليدية؛ وإنه لتفسير يتضمن في الوقت نفسه تنمية مفصلة — فيها نقد وفيها بناء — لوجهة النظر العامة وما تنطوي عليه من أفكار.
وأرى أن أنبه — في هذا الصدد — تنبيهًا خاصًّا إلى مبدأ الاتصال بين أطراف البحث، وهو مبدأ لم يَلحظ خطره من قبل — فيما أعلم — إلا بيرس Peirce وتطبيق هذا المبدأ يهيِّئ وسيلة لعرض الصور المنطقية عرضًا تجريبيًّا، وهي ضرورة أغفلتها أو أنكرتها المدرسة التجريبية التقليدية، مع أنها في الوقت نفسه تُبرهن على أن تفسير تلك الصور المنطقية تفسيرًا قبليًّا أمر لا تدعو إليه ضرورة، وأحسب أنني قد وفيت الحديث عن العلاقة بين هذا المبدأ وبين التعميم بصورتيه — وهما الصورتان اللتان لم أفتأ أميز بينهما خلال هذا الكتاب — كما وفيت الحديث عن العلاقة بينه وبين معامل الاحتمال في شتى التعميمات التي تُشير إلى الموجودات الفعلية. أقول إني وفيت الحديث في هذا وفي ذلك في الفصول التي خصصتها لهذه الموضوعات؛ وإن فكرتنا الرئيسية التي ننظر بها إلى البحث على أنه تحديد لموقف ينقصه التحديد، لَتُمكِّننا من أمرين: فهي تمكننا أولًا من إيجاد حل موضوعي للمسألة الشائكة التي تبحث في العلاقة بين الحكم والقضايا، كما تمكننا ثانيًا من تناول موضوع شديد الصلة بموضوع الحكم والقضايا، وأعني به العلاقة بين إدراكاتنا في مجال المشاهدة من ناحية وفي مجال التصور العقلي من ناحية أخرى؛ إذ تمكننا من عرض صور القضايا عرضًا متسق الأجزاء.
إن كلمة «البراجماتية» لم تَرد فيما أظن في هذا الكتاب؛ إذ ربما تكون هذه الكلمة مدارًا لسوء الفهم؛ فأقل ما يُقال هو أنه قد تَجمَّع حول هذه الكلمة من سوء الفهم ومن المجالات العقيمة نسبيًّا ما جعلني أُوثر أن أجتنب استعمالها؛ غير أن هذا الكتاب براجماتي من أوله إلى آخره إذا نظرنا إلى «البراجماتية» نظرة تؤوِّلها تأويلًا سليمًا، وأعني به أن تُستخدم النتائج على أنها اختبارات لا بد منها للدلالة على صدق القضايا، على شرط أن نتناول هذه النتائج من حيث هي عمليات يمكن إجراؤها، ومن حيث هي وسائل تؤدي إلى حل المشكلة الخاصة التي قد استدعت تلك الإجراءات.
أما والمنطق على ما هو عليه اليوم فلست أشك في أن خلوَّ هذا الكتاب من أي محاولة نحو الصياغة الرمزية سيثير في عقول قرَّاء كثيرين اعتراضًا خطيرًا؛ غير أن خلوَّه من هذه الصياغة الرمزية لم يَصدر عن كراهية مني لمثل هذه الصياغة؛ بل الأمر على خلاف ذلك؛ إذ إنني على اعتقاد بأن قبول المبادئ العامة التي بسطتها سيمكن من قيام بناء رمزي له من الكمال، وفيه من الاتساق ما ليس يتوافر في البناءات الرمزية القائمة بيننا اليوم. إن إغفالي للرمز مرجعه أولًا إلى نقطة ذكرتها في موضع ما من الكتاب وهي الحاجة إلى تهذيب نظرية عامة في اللغة لا تفصل بين الصورة والمادة؛ وثانيًا إلى أن قيام مجموعة وافية من الرموز يتوقف على ما يسبق ذلك من إقامة أفكار سليمة عن المدرَكات العقلية والعلاقات التي نرمز إليها بتلك الرموز؛ فبغير تحقيق هذا الشرط لن تؤدي عملية الرمز الصورية إلا إلى الاستمرار في الأخطاء القائمة (كما يحدث الآن غالبًا)، بل إنها لَتؤدي إلى تقوية تلك الأخطاء لما نخلعه عليها مما قد يُكسبها في الظاهر صورة العلم الصحيح.
وقد يجد القراء — الذين هم ليسوا على علم خاصٍّ بالبحوث المنطقية المعاصرة — بعض أجزاء هذا الكتاب أمعن في الاصطلاح العلمي مما يحتملونه، وبخاصة في الجزء الثالث. ونصيحتي لهؤلاء القراء هي أن يفسروا ما يقرءُونه بأن يعيدوا إلى أذهانهم ما يعملونه هم أنفسهم والطريقة التي يصطنعونها في أداء ما يعملونه إذا ما واجهتهم مشكلة أو صعوبة يحاولون تذليلها على نحو عقلي؛ فلو اتبعوا هذا المنهج فأظن أن المبادئ العامة ستصبح عندئذٍ قريبة إلى أذهانهم قربًا يُزيل إشكالهم إزاء التفصيلات الاصطلاحية بزوال ما يسوغه؛ وربما أفادت هذه النصيحة بعينها أولئك الذين أَلِفوا الكتابات المنطقية الجارية إلفًا يَحول بينهم وبين فهمهم لموقف جديد يختلف في مواضع كثيرة مع معظم الآراء السائدة.
أما عن المؤلفات المنطقية ومؤلفيها، فأملي أن يدل كتابي هذا بنفسه دلالة كافية على الاتجاهات الرئيسية التي أنا مدين بها لها ولهم؛ ومع ذلك فلا بد لي أن أقرر صراحة أنني — إذا استثنيت بيرس، وهو استثناء لا يُخطئه النظر — قد تعلمت أكثر ما تعلمت من أولئك الكتاب الذين اضطررت آخر الأمر أن أختلف وإياهم في وجهة النظر؛ ولما كانت المصادفة قد شاءت ألا يَرِد خلال كتابي هذا ذكر لمؤلفات أ. ف. برادلي A. F. Bradley فأود ها هنا أن أسجل كم أنا مدين له: وكذلك لجورج ﻫ. ميد George H. Mead من الفضل، ما هو أعظم بكثير مما يدل عليه سياق الكتاب.
وعلى الرغم من أنني مثل آخر من أمثلة الجحود المعهود في المؤلفين عندما يذكرون أسماء من هم مدينون لهم — وإن مثلي في ذلك لصارخ — لكن يسرني أن أذكر بعض هذه الأسماء: فلطلابي الذين تتابعوا مدى فترة من الزمن نيفت على جيل كنت خلاله أُحاضر في موضوعات هذا الكتاب، أقول إن لطلابي هؤلاء من الفضل عليَّ ما لست أستطيع ذكره إلا على هذا النحو المجمل. ولقد طالع الدكتور سدني هوك Sidney Hook مختلف الصور التي صُغت فيها كل فصول هذا الكتاب، فأفادتني مقترحاته ونقده لما قد ورد في هذه الفصول فائدة جُلَّى؛ وكذلك طالع دكتور جوزف راتنر Joseph Ratner فصولًا كثيرة، فأنا مدين له أيضًا بمقترحاته وتصحيحاته؛ وأما في طائفة من الفصول التي تتسم أكثر من سواها بالاصطلاح الفني، فقد ألقيت بزمامي إلقاءً تامًّا للدكتور إرنست نيجل Ernest Nagel بما له من دراية وكفاية تفوقان درايتي وكفايتي؛ فإذا بقيت أخطاء في الفصول المذكورة كان يمكن اجتنابها، فالخطأ خطئي أنا ولا ذنب له فيه.
وختامًا أود أن أقرر بأن هذه الرسالة الآتية إن هي إلا تمهيد، فهي عرض لوجهة من النظر ولمنهج في تناول المشكلات. وعلى الرغم من أن عرضي لهما قد لبث يزداد نضجًا مدى فترة تزيد على أربعين عامًا، غير أنني على وعيٍ تام بأن عرضي هذا لا يتسم — ولم يكن في الإمكان أن يتسم — بالصقل وإحكام التمام اللذَيْن هما في مقدور الإنسان من الوجهة النظرية؛ ولكني كذلك مقتنع بأن وجهة النظر المعروضة قد بلغت من السداد الكامل حدًّا يُمَكِّن أولئك الذين يرحبون باعتناقها من تهذيب نظرية في المنطق — في الأعوام التالية — تجيء على أتم اتفاق مع أكثر المناهج المؤدية إلى المعرفة تأييدًا من رجال البحث. وإني لأقدم أطيب الأماني والآمال لأولئك الذين قد شغلوا أنفسهم بالعمل البالغ الخطر، وأعني به التوفيق بين النظرية المنطقية من جهة والعمل العلمي من جهة أخرى، مهما يكن هنالك من بُعد الشُّقة في الأمور التفصيلية بين نتائجهم والنتائج التي أعرضها في هذا الكتاب.
ج. د
هبردز. نوفاسكوشيا
٢٤ من أغسطس سنة ١٩٣٨م
الباب الأول
تمهيد
جذور البحث
الفصل الأول
موضوع المنطق ومشكلته
تتسم النظرية المنطقية المعاصرة بمفارقة ظاهرة، فلئن كان ثمة اتفاق إجماعي على الموضوع المباشر الذي يتناوله المنطق بالبحث، بحيث لم يُصب فيه أي عهد مضى ما قد أصابه هذا العهد من تقدم ثابت الخطى، إلا أن الأصول العميقة التي يرتد إليها هذا الموضوع يثور حولها من الجدل ما لا يبشر بالوصول إلى اتفاق إلا بمقدار ضئيل؛ وأما الموضوع المباشر فمجاله العلاقات الكائنة بين القضايا؛ كعلاقتَي الإثبات والنفي، والتداخل والتخارج، والجزئي والكلي … إلخ، فليس عند أحد الباحثين من شك في أن العلاقة الوجودية (التي ندل بها على أن الشيء الفلاني «هو» كذا وكيت) وأن نفي هذه العلاقة الوجودية (حين نقول عن شيء معين إنه ليس كذا وكيت)، وأن علاقة «إذا – إذن» وعلاقة «فقط» (أي «لا أحد سوى كذا») وعلاقة «و» وعلاقة «أو» وعلاقة «بعض – كل» كلها تنتمي إلى مادة المنطق على نحو يميز تلك المادة تمييزًا يجعل منها مجالًا مستقلًّا للبحث.
ومع ذلك فإذا سأل سائل: كيف ولماذا يتألف من الأمور التي نشير إليها بهذه الكلمات موضوع المنطق، وجدت اختلاف الرأي هنا يحل محل الإجماع هناك؛ أفَتدلُّ هذه الكلمات على الصور الخالصة، أي الصور التي يكون لها وجود عقلي قائم بذاته، أم أن هذه الصور التي نتحدث عنها لا تكون إلا لموضوع معين؟ فإن كانت الأخيرة، فماذا عسى أن يكون هذا الموضوع الذي ينصبُّ في تلك الصور، ثم ماذا يحدث حين يتخذ موضوع ما صورة منطقية؟ كيف ولماذا؟١
هذه أسئلة مما أسميته الأصول العميقة التي يرتد إليها موضوع البحث في المنطق، وعلى هذا الموضوع يثور الجدل، لكن عدم اليقين حول هذا الأمر لا يمنع المشتغلين في المجال المباشر للبحث المنطقي من القيام بعمل له قيمته، غير أن المضي في هذا المجال المباشر كلما أمعن في التقدم، ازدادت المشكلة الأولى إلحاحًا علينا، وهي: فيمَ هذا البحث من أساسه؟ أضِف إلى ذلك أننا لا نكون على حق إذا زعمنا أنه حتى في مجال البحث المحدود هناك اتفاق «تام»، بل الأمر على خلاف ذلك؛ إذ يقوم الخلاف حول بعض المسائل الهامة حتى في هذا المجال، ويُحتمل أن يكون عدم اليقين واختلاف الرأي في نطاق المجال المحدود انعكاسًا لاضطراب الرأي فيما يختص بالأصول العميقة لمادة البحث (وسيظهر فيما يلي من هذا الكتاب أن هذا الاحتمال هو الصواب).
ولكي أوضح ما هو قائم بيننا اليوم من تضارب الرأي فيما يختص بالأصول العميقة لمادة البحث، فلا بد لي من ذكر طائفة من الآراء المختلفة عن طبيعة المنطق، وهي آراء يصطرع اليوم بعضها مع بعض؛ فيُقال — مثلًا — إن المنطق هو علم القوانين الضرورية للفكر، أو إنه نظرية العلاقات المنظمة، أعني العلاقات التي تستقل بوجودها عن الفكر؛ وهنالك على الأقل ثلاث وجهات للنظر بالنسبة إلى طبيعة هذه العلاقات:
(١) فوجهة النظر تقول إنها تكون عالمًا قوامه الإمكانات الخالصة، ومعنى «الخالصة» هنا أن تلك الإمكانات لا تعتمد في وجودها على الوجود بالفعل.
(٢) وأخرى تقول إنها الثوابت الأولية التي تُقيم «نظام» الطبيعة.
(٣) وثالثة تقول إنها قوام البناء العقلي للكون؛ فإذا أخذنا المنطق بهذا المعنى الثاني الذي يجعله دراسة العلاقات مستقلة عن الفكر، فإنها رغم استقلالها هذا عن الفكر الإنساني، تجسد البناء العقلي للكون، كما يزعمون، وهو بناء تتمثل صورته إلى حد محدود في عقل الإنسان؛ وهنالك أيضًا وجهة النظر القائلة بأن المنطق مختص بعمليات الاستدلال التي هي وسيلتنا إلى بلوغ المعرفة، والمعرفة العلمية على وجه الخصوص.٢
وأخيرًا ظهر على المسرح رأي آخر في موضوع دراسة المنطق، وهو رأي يذهب إلى أن المنطق معنيٌّ بالبناء الصوري للغة باعتبارها نسقًا من رموز؛ وحتى ها هنا تجد في الرأي انقسامًا: فشعبة تقول إن المنطق هو نظرية تحويل العبارات اللغوية، وعندئذٍ يكون أساس التحويل هو التطابق الذاتي بين صور البناء اللفظي (بحيث يمكن لبناءين مختلفين أن يكونا ذوَي دلالة واحدة)، وشعبة أخرى تقول إن النسق الرمزي الذي هو موضوع دراسة المنطق هو بمثابة جبر كوني للوجود الفعلي.
وعلى أية حال فالمنطق من حيث الأصول الأولية لمادته، فرع مشتق من المذهب الفلسفي، بحيث تجيء وجهات النظر المختلفة إلى موضوع دراسته معبرة في النهاية عن فلسفات مختلفة، ثم تعود النتائج التي ينتهي إليها المنطق فتُتخذ أداة لتأييد الفلسفات التي ما كانت تلك النتائج إلا نتائجها؛ ولما كانت عملية التفلسف لا بد لها أن تلتزم مقتضيات منطقية، كان في هذا الموقف شيء أقل ما يُقال فيه إنه يثير العجب؛٣ وما يطرأ على الذهن هو أن ذلك يؤدي إلى التنقص من شأن المنطق يجعله عاجزًا عن أن يكون مستقلًّا بذاته؛ ففي ظاهر الأمر قد يبدو من غير الملائم للنظرية المنطقية أن تتشكل تبعًا للمذهب الفلسفي واقعيًّا أو مثاليًّا، عقليًّا أو تجريبيًّا، ثنائيًّا أو واحديًّا، ذريًّا أو كليًّا عضوًا في منحاه المتيافيزيقي؛ ومع ذلك فحتى حين لا يُفصح المؤلفون في المنطق عن ميولهم السابقة في اتجاهاتهم الفلسفية، فالتحليل يكشف عن الرابطة (بين تلك الميول وما يذهبون إليه من نظرية منطقية)، بل قد يحدث في بعض الحالات أن تُستعار أفكار من هذا المذهب الفلسفي أو ذاك لكي يُتخذ منها صراحة «أسس» يُقام عليها المنطق بل تُقام عليها الرياضة.
على أن قائمة الاتجاهات المختلفة التي أسلفنا ذكرها، إنما سقناها على سبيل التوضيح، لا على سبيل الحصر، وهي كافية لتسويغ القيام بمحاولة واحدة أخرى نتناول بها المجال المباشر في دراسة المنطق تناولًا ينطوي على نظرية معينة خاصة بالأصول الأولية التي يرتد إليها المنطق؛ وإنه لمن الحمق أن يقول قائل — وموقف الأمور كما هو عليه الآن — إن المنطق «لا بد» له أن يختص بهذا الأمر أو ذاك؛ لأن أمثال هذه التوكيدات إن هي إلا التزامات بالواقع اللفظي، تفترض أن الكلمة من الكلمات لها من القوة السحرية ما يمكنها من تمييز واختيار موضوعها الذي يكون مجال انطباقها، أضف إلى ذلك قول القائل بأن المنطق «هو» في واقع الأمر كذا وكيت، لا يمكن قبوله — والنظرية المنطقية على ما هي عليه اليوم — إلا على أنه مجرد افتراض وإشارة إلى وجهة نظر معينة تُعرض لتهذيبها.
على أن ما يُقال على سبيل الافتراض لا بد أن تتوافر فيه شروط معينة؛ فلا بد أن يكون بطبيعته قابلًا للتحقيق، وكونه كذلك لا يعني بالطبع أنه فرض «صحيح»، لأنه لو كان صحيحًا لكان أكثر من مجرد فرض، بل يعني أن أي شيء يُعرض باعتباره أساسًا لنظرية ما، لا بد أن يكون قابلًا للوجود الفعلي الممكن التحقيق في «أي» مجال شئت، مهما تكن درجة الافتراضية فيه بالنسبة إلى المجال الذي يُقال إنه ممكن التطبيق فيه؛ أما إذا انتُزع من الخلاء انتزاعًا وتَبرع به صاحبه جزافًا، فلا محل له من القبول؛ والشرط الثاني الذي لا بد من توافره في فرض يُفرض عن الأصول الأولية لمادة المنطق، فهو أن يكون قادرًا على تناول ما قد أسميناه بالمجال المباشر لدراسة المنطق بالتنظيم والتفسير؛ فإذا لم يكن في مستطاعه أن يُوفَّق في هذا الاختبار المفروض عليه، فلا غناء في وجاهته النظرية مهما يكن نصيبه منها؛ والشرط الثالث هو أن الفرض (الذي يَفرضه صاحبه ليُقرر به الأصول الأولية لمادة المنطق) لا بد أن يكون بحيث يَرُدُّ الحجج التي يتقدم بها أنصار النظريات الأخرى تأييدًا لها؛ وهذا الشرط الأخير إنما يقابل ما يُقال عن أية نظرية في أي مجال آخر، من حيث قدرتها على تفسير ما قد يكون قائمًا من حالات واستثناءات تبدو نافية لها؛ وما لم يتحقق لنا هذا الشرط، كانت النتائج التي ننتهي إليها مسايرة للشرط الثاني، معيبة بمغالطة هي مغالطة من يؤكد صدق المقدم بناءً على صدق التالي.٤
وأنتقل من هذه الملاحظات التمهيدية إلى بسط وجهة النظر الخاصة بموضوع دراسة المنطق، والتي تعهدتها بالتنمية في هذا الكتاب؛ والنظرية بإيجاز هي أن كل الصور المنطقية «بكل ما لها من خصائص مميزة» إنما تنشأ داخل حدود الإجراء الذي يُجريه القائم بالبحث، وهي كلها معنية بضبط عملية البحث ضبطًا يهيِّئ لتلك العملية أن تنتهي بصاحبها إلى تقريرات مقبولة؛ وهذه الفكرة تتضمن أكثر جدًّا من مجرد القول بأن الصور المنطقية إنما تنكشف أو ينصب عليها الضوء إذا ما تأملنا بالعقل النظري عمليات البحث كما هي جارية على أيدي الباحثين؛ نعم إنها بطبيعة الحال تعني ذلك، لكنها تعني كذلك أن الصور المنطقية «تنشأ» أصلًا خلال إجراءات البحث؛ ولو صغنا هذا القول في عبارة مألوفة قلنا إن معنى فكرتنا هو أنه إذا كان البحث في البحث يؤدي بنا إلى «معرفة» الصور المنطقية، فإن البحث الأولي نفسه هو مجال «نشأة» تلك الصور التي يجيء البحث في البحث بعدئذٍ فيكشف عنها الغطاء.٥
ليست مهمة هذا الفصل أن يحاول تبرير هذا الفرض، ولا أن يبين أنه فرض يحقق الشروط الثلاثة التي اشترطناها، لأن هذه هي مهمة الكتاب بأسره؛ لكني أريد أن أُبرز نقطتين على سبيل التمهيد لشرح «معنى» الفكرة التي أعرضها (لا تبريرها). وهذا الشرح هو المهمة الرئيسية لهذا الفصل؛ أما إحدى هاتين النقطتين فهي أنه مما يَحد من نفور النافر من وجهة النظر التي ذكرتها لتوي، أن يضع ذلك النافر في اعتباره هذه الحقيقة، وهي: أن جميع الأفكار عن طبيعة موضوع البحث المنطقي مما نراه اليوم سائدًا، وهي كفكرتي مجرد فروض؛ فإذا لم تَبدُ عليها هذه الصفة الافتراضية، فذلك لإلفنا إياها؛ ولو اجتنبنا التعصب لآراء بعينها، لوجب علينا أن نُفسح المجال لأي فرض مهما يكن غير مألوف لنا، لنحكم عليه بعدئذٍ بنتائجه؛ وأما النقطة الثانية فهي أن هنالك بحوثًا — متعددة في تنوعها شاملة في مداها — قائمة بيننا بالفعل ولكل من شاء أن يضعها موضع الفحص؛ فالبحث في علم من العلوم هو منه بمثابة دم الحياة، وما ينفك كل فن وكل صناعة وكل مهنة يخضع لما يقتضيه البحث، واختصارًا فإن الفرض الذي أتقدم به إنما يمثل ما هو قائم بالفعل (في شتى العلوم)، فلا عبرة بعد ذلك للريبة التي قد يُحاط بها عند تطبيقه على مجال المنطق.
وفي سبيل توضيح معنى وجهة النظر التي أصطنعها، سأمضي قدمًا، معتمدًا هذه المرة إلى حد كبير على الاعتراضات التي يُرجَّح أن يُثيرها المعترضون؛ وأعمق هذه الاعتراضات من حيث الأساس، هو أن المجال الذي أشرت إليه ليكون هو مجال البحث في المنطق — وأعني به مجال البحوث — قد استنفد بالفعل؛ إذ هنالك علم آخر منظم يتناوله بالدراسة، وهو علم مناهج البحث، وكلنا يعرف كيف يميز بين علم مناهج البحث من جهة والمنطق من جهة أخرى، فالأول هو تطبيق للثاني.
ولا شك أنني لا أستطيع أن أُبين أن هذا الاعتراض غير قائم على أساس صحيح قبل أن أفرغ فراغًا تامًّا من بيان وجهة نظري بيانًا مفصلًا لكنني أُلاحظ هنا أن القول «مقدمًا» بأن هنالك فاصلًا حادًّا بين المنطق من جهة وعلم المناهج في البحث العلمي والعملي من جهة أخرى، هو مصادرة على المشكلة الأساسية التي نطرحها على بساط النظر؛ فكون الكثرة الغالبة من المؤلفات القائمة عن علم المناهج قد كتبها أصحابها على زعم منهم بوجود فرق محدد بين المجالين، لا يقوم برهانًا على أن ذلك الفرق موجود فعلًا؛ أضف إلى ذلك أن الإخفاق النسبي الذي مُنِيَت به المؤلفات عن المنطق، التي وَحَّدت بين المنطق وعلم المناهج (ولي أن أذكر على سبيل المثال منطق مل) لا يُبرهن على أن التوحيد بينهما مقضيٌّ عليه بالإخفاق المحتوم؛ لأن ذلك الإخفاق «قد» لا يكون نابتًا من طبيعة الموضوع ذاتها؛ وعلى كل حال، فالزعم ابتداءً بثنائية تفصل ما بين المنطق وعلم المناهج لا بد أن يكون — عند النظر المنزه عن الهوى — مؤديًا إلى تأثير مغرض في طرائق البحث من جهة، وفي مادة المنطق من جهة أخرى.
إن وجاهة الرأي الذي يقيم التفرقة بين المنطق وعلم مناهج البحث — أي بين المنطق والمنهج العلمي — مرجعها حقيقة غير منكورة، فلكي ينتهي البحث إلى نتائج سليمة لا بد له من مسايرة ما يقتضيه المنطق؛ ومن هذه الحقيقة يَسهل استدلال الفكرة القائلة بأن مقتضيات المنطق مفروضة على مناهج البحث من خارج؛ ولما كانت البحوث والمناهج تتفاوت جودة ورداءة، كان المنطق هو معيار نقدها وتقويمها؛ وهنا يسأل السائل: كيف يمكن للبحث الذي يُراد تقويمه «تقديره» على أساس معيار ما، أن يكون هو نفسه مصدر ذلك المعيار؟ كيف يمكن للبحث أن يخلق الصور المنطقية (كما سبق لنا أن قررنا) ومع ذلك يكون خاضعًا لما تقتضيه تلك الصور؟ هذا سؤال لا محيص لنا عن إجابته، ولن تكون هذه الإجابة وافية إلا بكل ما يحتويه هذا الكتاب من دراسة، بيد أنه في مستطاعنا أن نوضح معنى وجهة النظر التي اصطنعناها، ببيان الاتجاه الذي سنتجه إليه في بحثنا عن الجواب.
والمشكلة في أبسط صورها هي: هل يمكن للبحث — خلال قيامه بما يتطلبه من إجراء — أن يُخرج المعايير والصور المنطقية التي تعود بدورها فتستلزم من خطوات البحث التالية أن تخضع لها؟ وهنا قد يُجيب مجيب بقوله إن ذلك «ممكن» لأن ذلك هو نفسه ما قد حدث؛ بل قد نتحدى المعترض مطالبين إياه أن يبين لنا مثلًا واحدًا من أمثلة ما قد طرأ على المناهج العلمية من إصلاح، دون أن يكون هذا الإصلاح المعين قد نتج خلال عملية البحث نفسها التي ما تنفك تصلح نفسها بنفسها أثناء سيرها، نعم نتحداه أن يبين لنا مثلًا واحدًا لإصلاح جاء إلى المنهج نتيجة لتطبيق معايير دخلت عليه من خارجه؛ لكن مثل هذا التحدي يتطلب سندًا يسوغه فربما يكون البحث قد بدأ على نحو ما منذ ظهر على وجه الأرض إنسان؛ وإن يكن علمنا بمناهج البحث فيما قبل التاريخ غامضًا ومعتمدًا على التخمين؛ ولكننا نعلم الشيء الكثير من مختلف المناهج التي استخدمها الباحثون خلال العصور التاريخية؛ فنعلم أن المناهج التي تضبط العلم في عصرنا، قد نشأت في زمن حديث نسبيًّا، سواء في ذلك مناهج العلم الطبيعي والعلم الرياضي.
هذا إلى أن الباحثين لم يقفوا بتلك المناهج المختلفة عند مجرد محاولة تطبيقها، بل قد دفعوا هذه المحاولة إلى ختامها، وأعني بذلك أنهم قد خبروا نجاحها؛ وعلى ذلك فقد هيَّأ لنا العلم في سيره المطرد وسائل نقد المناهج التي تناولتها المحاولة فيما مضى، وهو نقد نبع من طبيعة المناهج نفسها؛ فهذه مناهج قد بدأ الإنسان بتجربتها فأخفقت في ناحية هامة من نواحيها، فكان لا بد له — نتيجة هذا الإخفاق — أن يعمد إلى تعديلها بحيث تؤدي به إلى نتائج يمكن الركون إليها أكثر مما أمكن الركون إلى سابقتها؛ وهذه مناهج بدأ بها الإنسان فأنتجت له نتائج لم تستطع فيما بعد أن تقاوم ما قد جاء به البحث التالي مما يتعارض وإياها؛ فليس الأمر هنا مقصورًا على أن «نتائج» معينة قد وُجدت غير وافية أو باطلة، بل إنها قد وُجدت على نقصها هذا أو ذلك بسبب المناهج التي استُخدمت في إنتاجها، فكان لا بد لمناهج أخرى للبحث أن تنشأ بحيث يكون لها من صلابة الكيان ما يمكنها من إنتاج نتائج تواجه ما قد يجيء به كل بحث جديد، بل يمكنها كذلك من أن تصحح أخطاءها بنفسها؛ فهي إذن مناهج تزداد صلاحية خلال استخدامها وبفعل ذلك الاستخدام نفسه.
ولربما تُفيدنا مقارنة نُجريها بين ما قد أصابته المناهج العلمية من تحسين خلال إجراءات البحث، والتحسين الذي قد طرأ على فنون الصناعة خلال تقدمها؛ فهل هنالك قط ما يسوغ لنا أن نفترض بأن التقدم في فن التعدين قد جاء نتيجة لتطبيق معيار خارجي (لا يمت إلى طبيعة ذات الفن نفسه)؟ إن ما يتخذونه اليوم من «معايير» في فن التعدين قد تفرعت عن العمليات التي كانت تؤدي فيما مضى لاستخراج المعادن من مناجمها؛ كانت هنالك حاجات لا بد من سدها، ونتائج لا بد من بلوغها، فلما أن تحققت تلك النتائج، انفسحت أمام النظر حاجات جديدة وإمكانات جديدة، فكان لا بد لعمليات البحث القديمة أن يُعاد تشكيلها لتقابل هذه الحاجات والإمكانات. واختصارًا فقد أثبتت التجربة نجاح طائفة من مسالك البحث؛ إذ نجحت في بلوغ الغاية المنشودة، كما أخفقت أخرى، فأُهملت الوسائل المخفقة، واحتُفظ بالناجحة ثم زِيد من آفاقها؛ نعم إنه حق لا شبهة فيه أن التحسينات الحديثة في الوسائل الفنية قد نتجت من تقدم الرياضة والعلم الطبيعي؛ لكن هذا التقدم نفسه في المعرفة العلمية ليس كالنواميس التي تُفرَض من الخارج، وما على الفنون الصناعية إلا أن تَخضع لها خضوعًا لا محيص لها عنه؛ بل إن التقدم العلمي قد أمد الباحثين بوسائل جديدة لم تكن لتستخدم نفسها بنفسها، بل كانت وسائل ليستخدمها سواها، فنتج عن استخدامها ذاك. خيبتها أو نجاحها في تحقيق الغايات واستحداث النتائج، فأصبحت تلك الخيبة نفسها وذلك النجاح نفسه معيارًا أخيرًا تُقاس به قيمة المبادئ العلمية في المضيِّ في اتخاذ إجراءات فنية بعينها؛ ولسنا نقول ما نقوله هنا بغية أن يكون «برهانًا» على أن المبادئ المنطقية المتضمنة في المنهج العلمي قد نشأت إبَّان سير البحث في تقدمه، بل نقول ما نقوله لنبين به أن افتراضنا بأن تلك المبادئ المنطقية قد نشأت على هذا النحو، له أحقية واضحة في أن نضعه موضع النظر، دون أن نقضي في الأمر برأي حاسم.
وأعود الآن إلى وجهة نظري فأُبيِّنُ معناها؛ فأحسب أن لا مناص من التسليم بأن البحث والشك موصول أحدهما بالآخر، ويقتضينا هذا التسليم قبول نتيجة خاصة بالغاية من البحث: وأعني «الغاية» بمعنييها، بالمعنى الذي يجعلها غاية ما يمتد إليه نظر الباحث، والغاية باعتبارها حد النهاية أو الختام؛ وتلك النتيجة التي لا بد من قبولها هي أنه إذا كان البحث يبدأ بالشك، فهو ينتهي بإقامة الظروف التي من شأنها أن تُزيل ما يستدعي ذلك الشك؛ وهذه الحالة الأخيرة يمكن تسميتها بكلمتَيْ «الاعتقاد» و«المعرفة»، غير أني — لأسباب سأُبديها فيما بعد — أفضل تسميتها ﺑ «جواز التقرير المقبول».
فقد يُظَن أن لفظ «الاعتقاد» مناسب للدلالة على ما يتمخض عنه البحث من نتائج؛ فبينما الشك حالة قلقة، أي حالة من التوتر تلتمس لها مخرجًا ومتنفسًا في عمليات البحث، ترى البحث ينتهي ببلوغه حالة مستقرة على رأي، وهذه الحالة المستقرة إن هي إلا علامة مميزة للاعتقاد بمعناه الصحيح؛ وبهذا يكون لفظ الاعتقاد لفظًا مناسبًا لتسمية النهاية التي ينتهي إليها البحث. غير أن لفظ الاعتقاد لفظ ذو معنيين؛ فهو من الناحية الموضوعية يُستعمل ليُشير إلى «الشيء» الذي هو موضوع الاعتقاد، وبهذا المعنى تكون النهاية التي ينتهي إليها البحث حالة خارجية موضوعية مستقرة؛ يبلغ بها الاستقرار حدًّا يجعلنا على استعداد للتصرف بمقتضاها، سواء كان ذلك التصرف سلوكًا ظاهرًا أم في دنيا الخيال؛ فكلمة «الاعتقاد» هنا تُسمَّى ظروفًا مستتبة لمادة بحث موضوعية، مضافًا إليها استعداد الإنسان للعمل على نحو معين إذا ما وجد تلك المادة ماثلة أمامه، ثم هو يشكل عمله ذاك ليتناسب مع ما هو ماثل أمامه، أما في الاستعمال الشائع، فكلمة «الاعتقاد» تعني كذلك أمرًا ذاتيًّا، أمرًا يعتنقه ويؤمن به واحد من بني الإنسان، ومثل هذا الموقف هو الذي يتحول بتأثير علم النفس فيصبح الاعتقاد عندئذٍ مجرد حالة عقلية أو نفسية. ولا يَبعد أن تتسلل بعض الأفكار المترابطة مع هذا المعنى الثاني للكلمة، إلى معناها حين نقول إن خاتمة البحث اعتقاد مستقر؛ وعندئذٍ ترى المعنى الموضوعي لقولنا إن مادة موضوع البحث هي تلك التي يؤدي البحث بها إلى حالة مستقرة، أقول إن هذا المعنى عندئذٍ يكتنفه غموض بل يضيع ضياعًا تامًّا؛ ومِن ثَم كان ازدواج المعنى في هذه الكلمة (كلمة «اعتقاد») مما يجعل استخدامها — للغرض الذي نحن الآن بصدده — غير مرغوب فيه.
وكذلك كلمة «المعرفة» صالحة للإشارة إلى هدف البحث ونهايته، ولكنها هي الأخرى تعاني من غموض المعنى؛ فإذا ما قيل إن بلوغ المعرفة، أو بلوغ الحقيقة، هو نهاية البحث، كان القول — بناءً على وجهة النظر التي نصطنعها في هذا الكتاب — قولًا ينطوي على بديهية أولية؛ فالخطوة التي تختم البحث ختامًا مُرضيًا هي — بحكم التعريف — ما نُطلق عليه اسم المعرفة، وهي معرفة لأنها بالفعل هي النهاية التي ينتهي بها البحث على صورة ملائمة؛ لكن يجوز أن يُفهم هذا القول نفسه — كما قد فُهم فعلًا — على أن يتضمن معنى جديدًا، وليس هو بالقول الذي يُحصِّل حاصلًا وكفى؛ فإذا عددناه تحصيل حاصل، كان تعريف المعرفة — بناءً عليه — هو أنها الناتج الذي يتمخض عنه البحث حين يتصف بالكفاية والإحكام. لكن إذا فُسِّر القول على أنه متضمِّن لشيء ذي معنًى جديد فعندئذٍ ينعكس الوضع، فيُظن أن للمعرفة معنًى خاصًّا بها غير ارتباطها بالبحث وإشارتها إليه، وعندئذٍ كذلك تصبح نظرية البحث خاضعة بالضرورة لهذا المعنى، باعتبارها خاصة بغاية خارجية محددة؛ والتعارض بين هاتين الوجهتين من النظر هو اختلاف في الأساس؛ فالفكرة القائلة بأن أية معرفة جزئية معينة يمكن إقامتها بغض النظر عن كونها نهاية ما ينتهي إليه البحث، وبأن المعرفة بصفة عامة يمكن تعريفها بغض النظر عن هذه الصلة (التي تصلها بالبحث وما ينتهي إليه) هي فكرة — بالإضافة إلى ما قلناه عنها — قد صدر عنها خلط في النظرية المنطقية؛ ذلك لأن المدارس المختلفة من الواقعية، ومن المثالية ومن الثنائية، قد اختلف بعضها عن بعض في تصوره لماذا عسى المعرفة «في حقيقتها» أن تكون؛ ومِن ثَم كانت النظرية المنطقية فرعًا تابعًا لما قد سبق تصوره من مذاهب الميتافيزيقا ومذاهب المعرفة، حتى لقد أصبح تفسير الصور المنطقية يختلف باختلاف الفروض الميتافيزيقية التي تنطوي عليها تلك الصور.
ووجهة نظرنا في هذا الكتاب تذهب إلى أنه ما دامت كل حالة خاصة من حالات المعرفة قوامها النتيجة التي أنتجها بحث معين، إذن فلن يكون تصورنا للمعرفة بصفة عامة إلا تعميمًا للخصائص التي وُجد أنها تصف النتائج التي نتجت عن عمليات البحث المختلفة؛ أي إن المعرفة باعتبارها كلمة مجردة، إن هي إلا اسم يُطلَق على عمليات البحث الفردية حين تتصف كلها بالكفاية. ولو أننا غضضنا النظر عن هذه الصلة — بين المعرفة وعمليات البحث التي أنتجتها — أصبح معنى الكلمة فارغًا بحيث يستطيع من شاء أن يملأه بما شاء من مضمون أو فحوى يصبه فيه جزافًا؛ أما إذا حددنا المعنى العام للمعرفة على أساس الناتج الذي يتمخض عنه البحث (في شتى ميادينه) كان لهذا المعنى العام في هذه الحالة أثر هام بالنسبة إلى معنى البحث نفسه؛ لأنه يدلنا على أن البحث عملية «متصلة» مهما يكن نوع المجال الذي يدور فيه؛ إذ إن وصولنا إلى «قرار» بالنسبة إلى موقف جزئي معين عن طريق بحث جزئي معين، ليس ضمانًا في ذاته، على أن تلك النتيجة المستقرة ستظل دائمًا على قرارها، فبلوغ الإنسان اعتقادات مستقرة هو أمر مطرد السير، وليس هنالك اعتقاد واحد قد بلغ من استقراره حدًّا ينجيه من التعرض لبحث جديد؛ وهذه الأبحاث المتصلة — إذا ما تجمعت نتائجها وتراكمت — هي التي تحدد المعرفة بمعناها العام، وفي البحث العلمي يكون المعيار فيما نَعُده مستقرًّا — أي فيما نَعُده معرفة — هو أن يكون معنى ذلك الاستقرار استعداده لأن يكون مصدرًا لخطورة جديدة في البحث، لا أن يكون معناه أنه قد استقر بحيث لا يتعرض للمراجعة في بحث جديد.
وفي ضوء ما قد أسلفناه قد تبين لماذا آثرنا عبارة «تقرير مقبول» على كلمتي «اعتقاد» و«معرفة»، لأنها عبارة تخلصت من الغموض الذي يكتنف هاتين الكلمتين، وفيها إشارة متضمنة إلى البحث باعتباره السند الذي يجيز قبولها لما نقرره. فإذا ما نظرنا إلى كلمة المعرفة باعتبارها كلمة عامة مجردة، لها صلة بالبحث في معناه المجرد كذلك، كان معناها «جواز التقرير المقبول». وإن استخدامنا لمصطلح يشير إلى الإمكان أكثر مما يشير إلى التحقق الفعلي، لَيتضمن اعترافنا بأن كل النتائج الخاصة التي نتجت عن عمليات البحث الخاصة، إن هي إلا أجزاء من مشروع واحد لا ينفك يتجدد، أي إن مهمتنا إزاءها في اتصال لا ينقطع.٦
إلى هنا وقد يبدو كما لو كانت المعايير التي تنبثق من عمليات البحث المتصل تقتصر على الجانب الوصفي، وأنها بهذا المعنى معتمدة على التجربة؛ ولسنا نُنكر أنها تجريبية بمعنى واحد من معاني هذه الكلمة المتعددة المعاني؛ لأن تلك المعايير قد نشأت من خبرات الإنسان التي لقيها أثناء البحث الفعلي، لكنها ليست تجريبية بالمعنى الذي تكون به كلمة «تجريبي» دالة على امتناع الأساس العقلي؛ لأننا أثناء فحصنا ﻟ «العلاقات» القائمة بين الوسائل (أي المناهج) المستخدمة والنتائج التي ننتهي إليها عن طريق تلك الوسائل، سنكشف عن العلل التي تفسر لنا لماذا ينجح بعض تلك المناهج ويُخفق بعضها الآخر؛ وإن ما قد أسلفنا ذكره ليتضمن (على أنه نتيجة تَلزم عن النظرية العامة) أن المعقولية أمر مرهون بالعلاقة بين «الوسائل وغاياتها» وليست هي أمرًا يتصل بمبادئ أولى محددة باعتبار تلك المبادئ مقدمات أولية، أو باعتبارها مضامين لما يسميه المدرسيون المحدثون «مبحث الإسناد».
المعقولية أو الخاصة العقلية — بناءً على وجهة النظر التي اتخذتها في هذا الكتاب، وبناءً كذلك على الاستعمال الدارج المألوف — هي أمر يتصل بالعلاقة بين الوسائل والنتائج المترتبة عليها؛ فإذا ما رسمت لنفسك غايات قريبة كان من غير المعقول أن ترسم من الغايات ما ليس يرتبط فقط بالوسائل الممكنة، وبغض النظر عن العقبات التي تعترض طريق بلوغها؛ والمعقول هو أن تبحث عن، وأن تختار الوسائل التي من شأنها — على أكثر ترجيح ممكن — أن تُنتج النتائج المراد بلوغها؛ وإنك لَتَبلغ من اللامعقولية حدًّا بعيدًا إذا ما استخدمت في وسائلك مواد وعمليات يتبين — لو اختبرتها — أنها تُنتج نتائج مختلفة عن الغاية المرجوَّة، وأن يكون اختلافها ذاك من شأنه أن يجب بلوغك تلك الغاية؛ فالخاصة العقلية — باعتبارها تصورًا مجردًا — هي على وجه الدقة تلك الفكرة العامة التي نستخلصها من علاقة الوسائل بنتائجها استخلاصًا يجردها (عن المواقف الفردية الجزئية)؛ ومِن ثَم كانت عبارتنا التي نصف بها المناهج التي تنتهي بنا إلى اعتقادات ثابتة ثبوتًا يَطَّرد مع اطِّراد البحث، أي تنتهي بنا إلى تقريرات يجوز قبولها، هي أيضًا — من وجهة نظرنا هذه — عبارة تُساير «أحكام العقل» إذا كانت العلاقة بينها باعتبارها وسائل، وبين جواز تقريرها باعتباره نتيجة، قد ثبت قيامها.
لكن هذه المعقولية، أو الخاصة العقلية (التي نصف بها موقفًا بعينه) قد وَجدت من شخَّص لها كيانًا قائمًا بذاته، فترى تقليدًا من أقدم وأرسخ تقاليد النظرية المنطقية قد حوَّل الخاصة العقلية إلى ملكة أَطلق عليها — إذا ما استُخدمت بالفعل في إدراك الحقائق الأولى — اسم «العقل» Reason، ثم أَطلق عليها فيما بعد اسم «العقل الخالص» Intellectus Purus، وما تزال الفكرة القائلة بأن «العقل» قوة تدرك إدراكًا «قبليًّا» أو «أوليًّا» A Priori المبادئ الأولى التي إليها يرتد كل شيء، أقول إن هذه الفكرة عن «العقل» ما تزال قائمة في فلسفة المنطق، وهي الأساس لكل نظرية تأخذ بأن المنهج العلمي مرتكز على صور منطقية هي من الوجهة المنطقية أسبق من البحث وخارجة عن طبيعته، سواء صرح بذلك أصحاب هذه النظريات أم لم يصرحوا؛ لكن الأساس الأصيل لهذه الفكرة من العقل قد تقوض اليوم؛ إذ كان ضرورة يحتمها افتراض وجود ملكة لها القدرة على إدراك «الحقائق» إدراكًا مباشرًا، أعني تلك الحقائق التي كان يُقال عنها إنها بديهية بالمعنى الذي يجعلها واضحة بذاتها، أي إنها تُثبت صدق نفسها بنفسها، كما يجعلها مكتفية بذاتها؛ وإنما دعا إلى افتراض وجود هذه الملكة ضرورة أن يكون هنالك أسس محتومة الصدق لكي يستند إليها كل استدلال برهاني؛ ولقد جاءت هذه الفكرة اشتقاقًا من علم بلغ أعلى ما يمكن أن تبلغه الصياغة العلمية في الوقت الذي صِيغ فيه المنطق الكلاسيكي، وأعني به هندسة إقليدس.
ولم يَعُد أحد يأخذ بهذه الفكرة عن طبيعة البديهيات، لا في الرياضة ولا في منطق الرياضة؛ والرأي الآن هو أن البديهيات إن هي إلا مصادرات،٧ لا هي بالصادقة ولا هي بالكاذبة في حد ذاتها، وإنما يحدد معانيها ما يترتب عليها من نتائج؛ بسبب ما بينها من علاقات الاقتضاء التي تربط بعضها ببعضها الآخر. وللباحث أوسع حرية، أو إن شئت فقل إنا نَحُثُّه حثًّا، على أن يضع لنفسه ما يريد من مصادرات، وهي حرية لا يَحدها شيء، اللهم إلا أن تكون تلك المصادرات مثمرة لنتائج متضمنة فيها وتُستخرج منها استخراجًا دقيقًا.
والمبدأ نفسه قائم في علم الطبيعة؛ فلقد حلَّت الصيغ الرياضية اليوم في علم الطبيعة نفس المكان الذي كانت تحتلُّه فيما مضى قضايا تُقال عن الجواهر الخالدة والأنواع المحددة الثابتة التي كانت تُعرف على أساس تلك الجواهر.٨ نعم إن الصيغ الرياضية تُستخرج منها نتائجها عن طريق الاستنباط وبناءً على قواعد الاقتضاء (أي إن صيغة تقتضي أو تستلزم صيغة أخرى وهكذا)، إلا أن قيمة النتيجة المستنبطة بالنسبة للعلم الطبيعي لا تقررها سلامة الاستنباط وحدها.
فمهمة النتيجة الاستنباطية هي أن تحفز وتوجه الجانب الإجرائي في مجال الملاحظة التجريبية؛ ثم تجيء النتائج المشاهدة لهذه العمليات الإجرائية في ارتباطها النسقي بعضها ببعض فتقرر آخر الأمر القيمة العلمية للمبدأ الذي كنا قد استخرجناه بطريقة الاستنباط؛ وبعدئذٍ يتخذ هذا المبدأ مكانته باعتباره وسيلة ضرورية للحصول على نتيجة ما نقرره ويجوز لنا قبوله؛٩ فوجهة نظري في هذا الكتاب، أي الفرض العام الذي أتقدم به، إن هو إلا تعميم العلاقة التي تربط الوسيلة بنتيجتها، والتي تميز البحث الرياضي والطبيعي على السواء؛ وإذن فالصور المنطقية كلها — ومنها ما يدرسه المنطق في مجاله المباشر — أمثلة للعلاقة التي تصل الوسيلة بنتيجتها حين تَرِد هذه العلاقة في عملية البحث التي يُحكم ضبطها؛ ونريد بكلمة «الضبط» في هذا السياق مناهج البحث حين تصيب تهذيبًا وتبلغ حد الكمال خلال خطوات البحث المتصلة؛ ففي اتصال هذه الخطوات تعود النتائج التي نكون قد ظفرنا بها في بحث خاص، إلى حلبة العمل فتُعين على إثراء المنهج وإنضاجه في بحث جديد؛ وهكذا تتميز المعرفة بمعناها المجرد، بكونها تتشكل بحكم طبيعة المناهج المستخدمة في البحث، لا العكس.١٠
إن العلاقة بين «المبادئ الأولى» وما يَلزم عنها من نتائج (في العلم الرياضي والطبيعي) إذا ما جردناها ألفيناها متمثلة فيما يُسمَّى في المنطق بالمبادئ الأولى، كمبادئ الذاتية، والتناقض، والثالث المرفوع،١١ وإزاء هذه المبادئ المنطقية تختلف وجهات النظر: فوجهة تجعل هذه المبادئ في «الأشياء» نفسها التي نتناولها بمنهج البحث؛ إذ يجعلونها خصائص لتلك الأشياء ثابتة وأولية، وإذن فلا بد للبحث الذي يتناول تلك الأشياء أن ينخرط في سلكها؛ ووجهة أخرى — هي التي نبسطها في هذا الكتاب — تجعل تلك المبادئ المنطقية دالة على شروط ثبت خلال البحث المتواصل أنها متغلغلة في ثنايا عملية البحث وسيرها الناجح. ولقد يبدو أن النظرتين «تنتهيان» إلى معنى واحد؛ لكن هنالك فرقًا أساسيًّا بينهما من الوجهة النظرية، فوجهة النظر الثانية تقتضي — كما أسلفنا — أن تنبثق المبادئ المنطقية من العملية نفسها التي نضبط بها سير البحث المتواصل الخُطَى؛ على حين أن هذه المبادئ — بناءً على وجهة النظر الأولى — تكون قبلية a priori تحددت قبل أن يُجري الإنسان بحثًا، فهي التي ترسم للبحث طريقة، آتية إليه من خارجه.١٢
فلسنا — إذن — نُنكر المبادئ المنطقية الأولى لا وجودًا ولا ضرورة؛ إنما السؤال هو: كيف نشأت وعلى أي نحو نستخدمها؛ وإني لأقتفي — فيما أقوله عن هذا الموضوع — من حيث الأساس رأي «بيرس» في المبادئ «الهادية» أو «الآخذة بالزمام»؛ وهو رأي يرى أن كل نتيجة نستدلها من مقدماتها إنما تنطوي على عادة (إما في حالة التعبير عنها أو في حالة استحداثها)، ونعني بالعادة هنا معناها «العضوي»؛ إذ الحياة مستحيلة بغير طرائق من السلوك تبلغ من التعميم حدًّا يكفي لتسويغ تسميتها بكلمة «عادات»؛ والعادة التي نجري في استدلالاتنا على مقتضاها — بادئ ذي بدء — هي عادة بيولوجية خالصة، فهي التي تُمسك بزمامنا عندئذٍ دون أن نكون على وعي بها، فأقصى ما نكون على وعي به (في تلك المرحلة) هو أفعالنا في موقف بعينه، والنتائج المعينة التي حققناها في ذلك الموقف؛ ثم لا نقتصر بعدئذٍ على مجرد وعينا بالذي قد فعلناه آنًا بعد آن، بل نُضيف إليه وعيًا ﺑ «الكيفية» التي فعلناه بها؛ وهذه اليقظة منا لطريقة أدائنا لأفعالنا سرعان ما تصبح شرطًا لازمًا لسيطرتنا على ما نحن بصدد فعله؛ فالصانع — مثلًا — يعلم أنه لو عمل ﺑ «طريقة» معينة، نتجت عن عمله ذاك نتيجته من تلقاء نفسها، ما دامت قد توافرت له العناصر المطلوبة لأداء عمله؛ وهكذا نعلم أننا إذا ما أجرينا استدلالاتنا على نحو معين فسننتهي — ما دامت كل الظروف المحيطة قائمة على صورة معلومة — إلى نتائج يمكن الركون إلى صوابها؛ وما «فكرتنا» عن منهج للبحث إلا تعبير نُفصح به عن العادة التي رأيناها داخلة في طائفة من العمليات الاستدلالية.
أضف إلى ذلك أنه لما كانت العادات التي نسلك تبعًا لها متفاوتة المدى ضيقًا واتساعًا، كانت المناهج التي نصوغها نتيجة لما نُشاهده من تلك العادات، متفاوتة أيضًا من حيث ضيق المدى واتساعه؛ ولقد وضح «بيرس» العادة حين يضيق أفقها بالمثل الآتي: شخص رأى قرصًا نحاسيًّا دائرًا قد وقف دورانه حين وُضع بين مغناطيسين، فاستدل أن قطعة أخرى من النحاس — لو تعرضت للظروف نفسها — فستسلك بالطريقة نفسها. بمثل هذه الاستدلالات يبدأ الإنسان دون أن يصوغ لها مبدأً؛١٣ ففطرة الإنسان — في هذا المثل — تعمل ولكن في نطاق محدود؛ إذ لا تجاوز قطع النحاس. أما إذا وجد أن هنالك من العادات ما يدخل في «كل» عملية استدلالية — رغم اختلافها في مادة موضوعها — ثم إذا لحظنا هذه العادات والتمسنا لها صياغة تحددها، كانت لنا تلك الصياغة وأمثالها بمثابة المبادئ التي تَهدينا أو التي تأخذ بزمامنا، غير أن هذه المبادئ لا تقرر إلا العادات التي لُوحظ فعلها في كل استدلال من شأنه أن يُنتج نتائج ثابتة ويمكن استغلالها فيما نُجريه بعد ذلك من أبحاث؛ ولما كانت هذه المبادئ قد تجردت عن كل رابطة تربطها بمادة «معينة»، كانت مبادئ صورية لا مادية، ولو أنها صور لمواد يمكن إخضاعها لبحث موثوق بقواعده.
فسلامة المبادئ مدارها اتساق النتائج المتولدة عن العادات التي ما جاءت تلك المبادئ إلا لتُفصح عنها؛ فإذا كانت العادة الموضوعة تحت البحث من شأنها أن تؤدي — عادة — إلى نتائج ما تنفك قائمة، تتناولها البحوث المقبلة فتنميها، كانت بالتالي عادة سليمة حتى إذا حدث لها آنًا بعد آن أن أنتجت نتيجة تبين بطلانها؛ ففي أمثال هذه الحالات يكون النقص — على الأرجح — في المادة التي نتناولها لا في العادة والمبدأ العام. وواضح أن هذه التفرقة مقابلة للتفرقة المألوفة التي نُقيمها بين الصورة والمادة، لكننا لا نريد بها فصلًا تامًّا بين الجانبين على نحو ما تفعل غالبًا نظريات المنطق.
إن العادة مهما تكن هي طريقة أو كيفية للفعل، وليست هي حالة جزئية واحدة من الفعل أو الأداء، فإذا ما صِيغت لها صورة، أصبحت — بمقدار نصيبها من القبول — قاعدة، أو قل بصفة عامة إنها تُصبح مبدأً أو «قانونًا» للفعل؛ ولست أرى كيف يمكن لمنكِر أن ينكر أن ثمة عادات للاستدلال، وأن في مستطاعنا صياغة تلك العادات لتصبح قواعد أو مبادئ؛ فلو كانت هنالك عادات ضرورية تخط طريق السير لكل بحث استدلالي ناجح، كانت العبارات التي نصوغها لتعبر عن تلك العادات هي نفسها المبادئ المنطقية لشتى صنوف البحث؛ ونَعني بكلمة «ناجح» في هذا السياق قدرة على السير بطريقة تتجه في نهاية الشوط، أو في بحوث متواصلة المراحل، نحو إنتاج النتائج التي إما أن تأتي
